رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٥٢ - فصل في بيان ماهية أجود الآراء و خير الاعتقادات
و لا يرجو الثواب و لا يخاف العقاب فهو لا يمتنع عن الشر جهده و طاقته، و لا سيما إذا دعته إليه الأسباب و أمكنه تجنّبها في الظاهر مخافة للناس فهو لا يتجنبها في السر.
و اعلم أن الدين هو شيئان اثنان: أحدهما هو الأصل و ملاك الأمر و هو الاعتقاد في الضمير و السر، و الآخر هو الفرع المبنيّ عليه القول و العمل في الجهر و الإعلان. و نحتاج أن نشرحهما جميعا حسب ما جرت عادة إخواننا الكرام الفضلاء، فنبدأ أولا بذكر الاعتقادات، إذ كانت هي الأصول و القوانين فيما هو غرضنا و مقصودنا في هذا المقام، كما قيل: «إنما الأعمال بالنيات و لكل امرى ما نوى».
فصل في بيان ماهية أجود الآراء و خير الاعتقادات
فنقول: اعلم أن اعتقادات الناس كثيرة لا يحصي عددها إلّا اللّه تعالى، و لكن لا تخرج كلها من ثلاثة أنواع: فمنها ما يصلح للخاصّ دون العامّ، و منها ما للعامّ دون الخاصّ، و منها ما بين الخاصّ و العامّ. و نريد أن نذكر في هذا الفصل ما يصلح للخاصّ و العامّ جميعا أن يعتقدوه، إذ كان القسمان الآخران كثيري الأنواع و الفروع التي يطول شرحها، فنقول:
اعلم أن من أجود الآراء و أنفع الاعتقادات، و ما يصلح لجميع الناس من الخاص و العامّ أن يعتقدوها، و يقرّوا بها، هو القول بحدوث العالم، و أنه مصنوع، و له بارئ حكيم، و صانع قديم، و خالق رءوف رحيم؛ و أنه قد أحكم أمر عالمه، و أتقن أمر خلقه على أحسن النظام و الترتيب، و لم يترك فيه خللا و اعوجاجا البتّة. فإنه لا يجري في عالمه أمر، و لا يحدث حدث صغير و لا كبير، دقيق و لا جليل، إلّا هو يعلمه قبل كونه، لا