رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٥٦ - (حكاية)
هؤلاء، كان ذلك سبب بواره و هلاكه و بعده عن جوار اللّه، و قربه، و قرن بالشياطين أعداء اللّه كما قال تعالى: «وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ» فهكذا يكون حاله مع عالمه و غيره، تراه جميع العوامّ، حاله شقية، و كلامه و تهذيبه و ألفاظه بعيدة من حيث لا يشعر، لأنه إذا حلّل بقوله و حرّم برأيه فقد عبده كما قال تعالى: «إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ» و قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ.» فعليك أيها الأخ بأهل العلم و مواظبة الذين هم أهل الذّكر من أهل بيت النبوّة المنصوبين لنجاة الخلق، فقد قيل: استعينوا في كل صنعة بأهلها.
ثم اعلم بأن أهل الذّكر في بعض الوجوه هو العقل الذي يذكّر النفس ما غاب عنها من أمر عالمها الروحاني و محلّها النوراني، و يحرّضها على المتاجر الرابحة، و يحثّها على الأعمال الصالحة. و أن النفس متى عدلت عنه و خالفته و تركت وصيّة ربها، و ما أمر مولاها، و أقبلت على الطبيعة و مالت إلى استحسانها، و طلب الرئاسة و العلو، و التعصب و التعدي، أصابها مثل ما أصاب المقعد و الأعمى اللذين خالفا وصية صاحب البستان.
(حكاية)
ذكر فيما يروى من الأمثال أنه كان ببلاد الهند رجلان: أعمى و مقعد، اصطحبا في طريق، فعبرا بستانا، فما لا إليه، فرآهما صاحب البستان، و شاهد فقرهما و مسكنتهما، فرحمهما و قال لهما: ما تقولان في أن أدخلكما بستاني هذا، فتأويان إليه، و تتناولان منه بحسب الحاجة ما يكفيكما مما آتيكما. فلا تولعا بالثمار فتفسداها.