رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٠٨ - فصل
فصل
ثم اعلم أن جميع الجواهر تختلف في أنواعها و تتباين في عناصرها و تركيبها، و كلّ جوهر هيولاني يكون ألطف جوهرا و أشدّ روحانية و أعم خاصيّة، و إنه يكون لقبول الصورة و حمل الأعراض أسرع انفعالا و أسهل قبولا من غيره. مثال ذلك الماء العذب لما كان ألطف جوهرا من الماء المالح و أصفى، صار لقبول الطّعوم و الأصباغ أكثر قبولا. و لا بد أنه للحيوان أكثر امتزاجا و مخالطة و أكثر نفعا و صلاحا، و بذلك صار حياة الأجسام و مادّة الحيوان و النبات.
و هكذا لما كان الضياء ألطف من الهواء، صار قبوله الألوان و الأشكال أسرع انفعالا، و أشد روحانية و بساطة، و ألطف سريانا.
و كذلك جوهر النفس ألطف و أشدّ روحانية من جوهر النور و الضياء، و الدليل على ذلك قبوله رسوم سائر المحسوسات و المعقولات جميعها، فلهاتين العلّتين صار الإنسان يقدر بالقوة المتخيّلة أن يتخيل و يتوهم ما لا يقدر عليه بالقوى الحاسّة، لأن هذه روحانية و تلك جسمانية، و لأنها تدرك سائر محسوساتها في الجواهر الجسمانية من خارج، و القوة المتخيّلة إنما تتخيلها و تتصوّرها في ذاتها. و الدليل على ما قلنا أفعال الصّنّاع البشريين. و ذلك أن كل صانع يبتدئ و يفكّر و يتخيل و يتصوّر في وهمه صورة مصنوعة بلا حاجة إلى شيء خارج عنه. فإذا أراد إظهار ما في نفسه إلى الفعل عمد إلى هيولى ما، في مكان ما، في زمان ما، فيتصوّر فيها ما كان متصوّرا في ذاته بأدوات ما و حركات ما. و ذلك أن كل حيوان لا يبصر، فهو لا يتخيّل الألوان العرضيّة و الأجسام الجوهرية. و ما لا سمع له لا يتصوّر و لا يتخيّل الأصوات الكلامية و لا يتوهم الألفاظ المنطقية. فأما الإنسان الصحيح التركيب، السالم الحواس، فإنه لما كان يفهم الكلام صار يمكنه أن يتخيل المعنى إذا وصف. و الغرض