رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٩٧ - فصل
و القوّة المتينة، كما قال تعالى: «وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» و قلّ من يكون كذلك، لأن النبوّة تتمّ بنيّف و أربعين خصلة من فضائل البشرية، و الملك يحتاج إلى شرائط أخر غيرها.
فصل
فاعلم أن في بعض أخلاق الملوك مضادّة لخصال النبوة، و ذلك أن الملك أمر دنيوي، و النبوّة أمر أخروي، و الدنيا و الآخرة كأنهما ضدان. و أكثر الملوك يكونون راغبين في الدنيا، حريصين عليها، تاركين لذكر الآخرة، ناسين لها، و الأنبياء، :، من خصالهم التزهيد في الدنيا، و الترغيب في الآخرة، يأمرون بها و يحثّون عليها، فعلى هذه الدرجة يكون بعض حال الملوك مضادّا لحال النبوة، و لكن الأنبياء، :، الذين جمع اللّه لهم الملك و النبوّة، لم يكونوا شديدي الرّغبة في الدنيا، و لا حريصين على شهواتها، كما حكى اللّه تعالى عن يوسف الصّدّيق، ٧، حين قال:
«رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ» الآية. فهذا يدلّ على أنه كان من الزاهدين في الدنيا. فهكذا كان داود، ٧، و سليمان، ٧.
و لقد ذكر اللّه تعالى في قصة داود، ٧، أنه كان أوّابا حليما، و في قصة سليمان «هذا من فضل ربي ليبلوني أ أشكر أم أكفر» و هكذا كان النبي، ٧، زاهدا في الدنيا، راغبا في الآخرة. و قد روي في الخبر أن جبريل، ٧، عرض عليه مفاتيح خزائن الأرض، فقال:
خذها و لا ينقصك ما عند اللّه شيئا. فقال ٧: «لا حاجة لي في شيء من ذلك، حلالها حساب، و حرامها عذاب». و إنما جعل ذلك إشفاقا على أمته لئلا يرغبوا فيها، و يحتجوا إليها بقول اللّه تعالى: