رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٨٤ - فصل
فأقربها إلى الحس هيولى الصناعة مثل الخشب و الحديد و القطن بحسب ما بيّنا. فإن كل صانع لا بد له من هيولى يعمل فيه و منه صناعته. و الثاني هيولى الطبيعة و هي النار و الهواء و الماء و الأرض. و ذلك أن كل شيء تعمله الطبيعة التي تحت فلك القمر من الموجودات، فإن هذه الأركان الأربعة هيولى لها. و الثالث هيولى الكلّ أعني الجسم المطلق الذي يعمّ الأفلاك و الكائنات أجمع. و الرابع الهيولى الأولى و هو جوهر قابل للصورة، فأول صورة قبل هي الطول و العرض و العمق، و كان بذلك جسما مطلقا. و هذه الهيولى من المبادي الأولى المعقولة. و ذلك أن هذه الهيولى أول معلول النفس، و النفس أول معلول العقل، و العقل أول معلول الباري تعالى، و أن الباري تعالى علة كلّ موجود و مبدعه و متقنه و متمّمه و مكمّله على النظام و الترتيب الأشرف فالأشرف. و ترتيب الموجودات عنه كترتيب العدد عن الواحد الذي قبل الاثنين، كما بيّنّا في الرسالة التي ذكرنا فيها خواصّ العدد.
فالعقل هو أول موجود أوجده الباري تعالى و أبدعه من غير واسطة، ثم أوجد النفس بواسطة العقل، ثم أوجد الهيولى. و ذلك أن العقل جوهر روحاني فاض من الباري عز و جل و هو باق تامّ كامل. و النفس جوهرة روحانية فاضت من العقل، و هي باقية تامّة غير كاملة. و الهيولى الأولى جوهر روحاني فاض من النفس، و هو باق غير تامّ و لا كامل.