رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٨٥ - فصل
و الأمزجة و العادات، و كان واضعو النواميس هم أطباء النفوس و منجموها، كقول النبي، صلى اللّه عليه و سلم: «إن مثل أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» و غرض كلهم اكتساب الصحة و حفظ السلامة عليها من الآفات العارضة. فمن أجل هذا اختلفت مفروضاتهم و تغايرت سننهم حسب ما يليق بأمة أمة، و طائفة طائفة، من الناس و الامم، من المداواة لنفوسهم، و الحمية لها من المحرّمات عليهم، كما يفعل أطباء الأجسام في العلاجات المختلفة بالبلدان المختلفة، لأجل الأمراض المختلفة في الأزمان المختلفة، من تغيير الأشربة، و تبديل الأدوية، و تقليل الأوزان و تكثيرها، بحسب اختلاف الأزمنة و الأمكنة، و لا سيما بحسب اختلاف أمزجة الإنسان، و مراعاة العادات:
و ذلك أن غرضهم حفظ الصحة الحاصلة و استرداد الصحة المفقودة. فهكذا أفعال الأطباء من النواميس، و اختلاف سننهم، و ترتيب أوضاعهم و أمرهم، و إجازتهم في شيء، و نهيهم و تحريمهم عن شيء، تشبه بعينها أفعال أطباء الأجسام و مداواتهم قطعا.
و لا يخفى عليك، أيها الأخ، مداواة المسيح لأقوام شتى، و إحياء الموتى، و إبراء الأكمه و الأبرص، حتى نجت نفوس قوم ضالّين من أمراض الجهالة المزمنة، العسرة الزوال، بشربات الأسرار و الحكم، و معاجين التوحيد و التمجيد، و مسهلات الحلم و الاستغفار، و حسن تحمية ترك الشهوات، و برحلة الشتاء و الصيف من غليان نار الغضب و برد البلادة.
و كذلك إبراء الأكمه بالمداواة اللائقة بالعين، إذ العمى عمى القلب لا عمى العين، كما أن الغنى غنى القلب لا غنى المال.
و كيف داوى الأكمه؟ فيا عجبا كل العجب، إنه أبرأ الأكمه باكتحال الجواهر الروحانية، و بتأليف الأسرار الرّبانية، و بذر البذورات المفردات الهيولانية، و بسائط الأركان الناموسية، و المائعات التي أنزلت من السماء، فسالت أودية بقدرها، فلا جرم أنه يحيي الموتى، و يبرئ الأكمه و الأبرص