رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٧٤ - فصل في بيان كمية أنواع الخيرات و الشرور في هذا العالم
فصل في بيان كمية أنواع الخيرات و الشرور في هذا العالم
فنقول: اعلم أن الخير و الشر على أربعة أنواع: فمنها ما ينسب إلى سعود الفلك و نحوسه. و منها ما ينسب إلى الأمور الطبيعية من الكون و الفساد و ما يلحق الحيوانات من الآلام و الأوجاع. و منها ما ينسب إلى ما في جبلة الحيوانات من التآلف و التنافر و المودّة و التباغض، و ما في طباعها من التنازع و التغالب. و منها ما ينسب إلى ما يلحق النفوس التي تحت الأمر و النهي في أحكام النفوس من السعادة و المنحسة في الدنيا و الآخرة جميعا.
ثم اعلم أن لهذه الأنواع من الخيرات و الشرور التي ذكرناها أسبابا و عللا يطول شرحها، و قد ذكرنا طرفا في رسالة العلل و المعلولات، و لكن نذكر في هذا الفصل منها ما لا بد منه فنقول: إن الخيرات التي تنسب إلى سعود الفلك هي بعناية من اللّه تعالى و قصد منه لا شك فيه. و أما الشرور التي تنسب إلى نحوس الفلك فهو عارض لا بالقصد. مثال ذلك إشراق الشمس و طلوعها على بعض البقاع تارة، و تسخينها الماء مدة، و مغيبها عنها تارة أخرى كيما تبرد تلك البقاع مدّة ما، فهو بعناية من اللّه تعالى و واجب حكمته، لما فيه من الصلاح و النفع للعموم كما قال تعالى: «قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَ فَلا تَسْمَعُونَ» و قال: «وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ». و إنما ذكر اللّه تعالى إنعامه على عباده، و إحسانه إليهم و إفضاله عليهم.
فأما التي تعرض لبعض الحيوانات و لبعض النبات من الحر المفرط و البرد المتلف في بعض الأوقات و في بعض الأحايين و في بعض البقاع، فليس ذلك بالقصد الأول. و هكذا أيضا حكم الأمطار فإنما يرسلها لكيما يحيي بها