رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٥٢٩ - فصل
إبليس و جنوده، و ما نسب إليه من السرور، و ما يعتقده من مخالفتهم للّه و عداوتهم، فإنه امتلأ منهم غيظا و حقدا عليهم، و ناصبهم العداوة و البغضاء، حتى إنه لو أمكنه قتلهم كلّهم، أو قدر على قطع أرزاقهم، فعل من شدة غيظه عليهم، و إذا لم يقدر على ذلك بقي، طول عمره، مغتاظا مغتمّا متألما نفسه، معذبا قلبه، حتى إنه ربما فكّر في خلق اللّه لهم، و تربيته إياهم، وسعة رزقه عليهم، و تمكينه لهم فيما يفعلون، و إمهاله لهم، فعاتب ربه في الضمير، و خاصمه في السر و يقول: لم خلقهم، و لم رباهم و رزقهم، و لم مكّنهم و سلّطهم، و لما ذا، و لم، و كيف؟ و ما شاكل هذه الوساوس و الظنون الموبقة المؤلمة لنفوس المعترضين على اللّه في تدبير خلقه، و إنفاذ مشيئته، و إجرائه المعلوم على ما كان في سابق علمه.
فصل
و اعلم أن ذكرنا لهذه الآراء الفاسدة، و الاعتقادات الرديئة المؤلمة لنفوس معتقديها، لتعرف و تكون دليلا على أن هاهنا رأيا ملذّا لنفوس معتقديه، مفرّحا لقلوبهم، مبشّرا لأرواحهم، و هو رأي أولياء اللّه، و اعتقاد الخواص من عباد اللّه الصالحين، و مذهب الرّبّانيين الذين أسلموا لربهم و لم يشركوا معه غيره لا سرّا و لا علانية، و هم الذين صفت قلوبهم عن درن الشهوات الجسمانية، و طهرت أخلاقهم من العادات الرديئة، و اضمحلت عن ضمائرهم الآراء الفاسدة، و صانوا جوارحهم عن الأعمال السيئة، و ألسنتهم عن الفحشاء و المنكر، و أخلصوا سرائرهم مع اللّه، و لم يعترضوا عليه في شيء من تدبير خلقه سرّا و علانية، فأصلح اللّه قلوبهم، و زكّى نفوسهم، و طهّر أخلاقهم، فهم لا يضمرون لأحد من خلق اللّه سوءا، و لا يرون لهم على أحد فضلا.
صالحوا الخلق سرّا و جهرا، كما وصفهم اللّه تعالى بقوله: