رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٦٧ - فصل
مركّب من هيولى و صورة، إذا تأمّل جزئياته من الأفلاك و الأركان و الموّلدات و المصنوعات، و ذلك أن في كل مصنوع آثار الصنعة باقية فيه، يضطر العقل الغريزي إلى الإقرار به، و إن لم يعلم متى عمل؟ و كيف عمل؟
و لم عمل؟ و من عمل؟
و أما حدوث الهيولى فليس يعلم بهذا العقل الغريزي، و لكن بالعقل المكتسب، و العقلاء متفاوتو الدرجات في هذا العقل كتفاوتهم في العقل الغريزي «وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ». و ذلك أن كل من كان أكثر تأمّلا، و أكثر رياضات للمعقولات الغريزيّة المأخوذة أوائلها من المحسوسات، و أصفى نفسا، كان أعقل و أعلى درجة في المعارف.
و إذا تأملت يا أخي وجدت أكثر اختلاف العلماء في أحكام هذا العقل المكتسب؛ إمّا من أجل تفاوتهم في درجات عقولهم، و إمّا من أجل اختلافات قياساتهم و فنون استعمالهم لها. و ذلك أن منهم من يستعمل في البحث عن دقائق العلوم القياس الجدلي. و منهم من يستعمل القياس الخطابي أو البرهان الهندسي أو المنطقي أو العددي، فتختلف نتائجها بحسب اختلافها، و تختلف أحكام العقول بتفاوتها اختلافا كثيرا لا يحصي عددها إلّا اللّه الواحد القهار. و قد ذكر في كتب المنطق طرف من ذلك بشرح طويل، و لكن نذكر لذلك مثالا واحدا ليكون دليلا على ما وصفنا فنقول:
اعلم أن العقلاء إنما وضعوا القياسات العقلية ليستخرجوا بها المجهولات بالمعلومات فيما اختلفوا فيه بتحرّز العقول، كما وضعوا الموازين و المكاييل و الأذرع ليستخرجوا بها مقادير الأشياء المجهولة بالأشياء المعلومة لما اختلفوا فيه بالحرز و التخمين فيما يتعاملون، كما أن هذه الموازين مختلفة بحسب بلدانهم و سنن شرائعهم، كذلك قياسهم العقلي يختلف بحسب مراتبهم في درجات العقول المكتسبة.
و الذين قالوا بقدم الهيولى أدّاهم إلى هذا الحكم طريق القياس الذي