رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٨٥ - فصل
فصل
اعلم أن علّة وجود العقل هو وجود الباري، عز و جلّ، و فيضه الذي فاض منه. و علّة بقاء العقل هو إمداد الباري، عز و جل، له بالوجود و الفيض الذي فاض أولا. و علّة تماميّة العقل هي قبول ذلك الفيض و الفضائل و استمداده من الباري تعالى. و علة كمال العقل هي إفاضة ذلك الفيض و الفضائل على النفس بما استفاده من الباري عز و جل. فبقاء العقل إذا علة لوجود النفس، و تماميّة العقل علة لبقاء النفس، و كماله علّة لتماميّة النفس، و بقاء النفس علّة لوجود الهيولى، و تماميّة النفس علة لبقاء الهيولى.
فمتى كملت النفس تمّت الهيولى. و هذا هو الغرض الأقصى في رباط النفس بالهيولى، و من أجل هذا دوران الفلك و تكوين الكائنات لتكمل النفس بإظهار فضائلها في الهيولى، و تتمّ الهيولى بقبول ذلك. و لو لم يكن هذا هكذا لكان دوران الفلك عبثا.
و اعلم يا أخي أن العقل إنما قبل فيض الباري تعالى و فضائله التي هي البقاء و التمام و الكمال دفعة واحدة بلا زمان و لا حركة و لا نصب لقربه من الباري، عزّ و جل، و شدّة روحانيته. فأما النفس فإنه لما كان وجودها من الباري، جلّ ثناؤه، بتوسّط العقل، صارت رتبتها دون العقل، و صارت ناقصة في قبول الفضائل، و لأنها أيضا تارة تتوجه نحو العقل لتستمد منه الخير و الفضائل و تارة تقبل على الهيولى لتمدّها بذلك الخير و الفضائل. فإذا هي توجّهت نحو العقل لتستمد منه الخير، اشتغلت عن إفادتها الهيولى ذلك الخير.
و إذا هي أقبلت على الهيولى لتمدّها بذلك الفيض، اشتغلت عن العقل و قبول فضائله.
و لما كانت الهيولى ناقصة الرّتبة عن تمام فضائل النفس، و غير راغبة في فيضها، احتاجت النفس إلى أن تقبل عليها إقبالا شديدا، و تعنى بإصلاحها