رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٥٨ - فصل في بيان مناقب العقلاء و الآفات العارضة للعقول
المانع عن قبول الحقّ، و الحسد الدائم للأقران و أبناء الجنس، و الحرص الشديد على طلب الشهوات، و العجلة و قلّة التثبّت في الأمور، و البغض و العداوة عند الحكومة و الخصومات، و الميل و التعصب لمن يهوى، و الحميّة الجاهلية عند الافتخار و الأنفة من الانقياد للطاعة وحب الرئاسة من غير استحقاق، و ما شاكل هذه الآفات العارضة للعقلاء، المضلّة لهم عن سنن الهدى، المانعة عن الانتفاع بفضائل العقل و منافعه.
ثم اعلم أنه ليس من مرتبة في الدنيا أرفع، و لا فضيلة أحسن من الرئاسة في العقلاء لذوي السياسات و التدبير، و لا نعمة ألذّ و لا رتبة أحسن من انقياد العقلاء للرئيس و طاعتهم له، و لا محنة أعظم و لا بلية أشدّ من عصيان العقلاء للرئيس الفاضل و عداوتهم له. و هذه الخصال من إحدى أمّهات الخلاف و المعاصي، و هي كبر إبليس و حرص آدم، ٧، و عجلته حين بادر و حسد قابيل.
فأما الكبر فهي الخصلة التي سنّها إبليس فرعون آدم كفراعنة الأنبياء الذين هم جنوده يوم أمر بالسجود لآدم و الطاعة و الانقياد لأمره.
و الخصلة الأخرى التي هي أيضا إحدى أمّهات المعاصي حرص آدم و عجلته حين بادر و طلب ما ليس له، تناوله قبل حينه و استحقاقه، فلما ذاقها بدت له عورته، و سقطت مرتبته، و انحطت درجته، و انكشفت عورته، و شمتت به أعداؤه! فلو لا أنه كانت سبقت كلمة من ربه تفضّلا منه عليه و رحمة منه لكان لزاما له العقوبة و كلّ من عصى من ذريّته، كأن يتعاجل بالعقوبة من ساعته، و لكن أمهل إلى وقت ما. فلما تاب و ندم استحق الغفران و العفو:
«رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ».
فأما إبليس فإنه لما أنكر السجود و الانقياد للطاعة، و استكبر و تمرّد، و لم يندم و لم يرجع أيس من الرحمة. و لكن أنظر أيضا و أمهل و أخّرت