رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤١٥ - فصل في بيان ما يخص الإنسان من المعلومات
فيتألم، لأن حاسّة اللمس أعمّ الحواس. ثم يحس بالطعم فيميّز لبن امه من غيره. ثم يميّز بين الروائح، فيعرف الشمّ. ثم يميّز بين الصوت الشديد الجهير، و بين الصوت الضعيف الخفيف. ثم يفرّق بين الصور. ثم يميّز على ممر الأوقات بين نغمة الأم و نغمة الأب و الإخوة و الأخوات و الأقرباء و غيرهم. ثم شيئا بعد شيء، على التدريج، و على هذا المثال فهمه و معرفته بسائر الحواسّ و محسوساتها، إلى أن تتمّ سن التربية، و يغلق باب الرضاع، و يفتح الكلام و النّطق. ثم بعد ذلك تجيء أيام الكتابة و القراءة، و الآداب، و الصنائع، و الرياضيات، و سماع الأخبار و الروايات، و الفقه في الدين، و النظر في العلوم و المعارف، و طلب حقائق الموجودات، و البحث عن الكائنات، و الاستدلال بالحاضرات على الغائبات، و المحسوسات على المعقولات، و بالجسمانيات على الروحانيات، و بالرياضيات على الطبيعيات، و بالطبيعيات على الإلهيّات التي هي الغاية القصوى في العلوم و المعارف، و السعادة الأبدية و الدوام السرمدي. بلّغك اللّه و إيانا إلى هذه الغاية، و شرح صدرك، و فتح قلبك، و نوّر فهمك، و صفّى نفسك، و حسّن أخلاقك، و أصلح شأنك، و زكّى أعمالك، و أنعم بالك، و أكرمك مما أنعم به على أوليائه و أنبيائه بما علّمهم من البيان و الكتاب، كما قال تعالى: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا».