رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٨٩ - فصل
معرفة حقائق الموجودات، أن نبتدئ أولا بمعرفة أنفسنا، إذ هي أقرب الأشياء إلينا، ثم بعد ذلك بمعرفة سائر الأشياء، لأنه قبيح بنا أن ندّعي حقائق الأشياء و لا نعرف أنفسنا.
فصل
اعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك اللّه و إيانا بروح منه، أن النفس الكلية إنما هي قوة روحانية فاضت من العقل، بإذن الباري، جلّ ثناؤه، كما ذكرنا قبل، و أن لها قوتين اثنتين ساريتين في جميع الأجسام من لدن فلك المحيط إلى منتهى مركز الأرض، كسريان ضوء الشمس في جميع أجزاء الهواء؛ فإحدى قوتيها علّامة، و الأخرى فعّالة، فهي بقوتها الفعّالة تتمّ الأجسام و تكمّلها بما تنقش فيها من الصور و الأشكال و الهيئات و الزينة و الجمال بألوان الأصباغ؛ و بالقوّة العلّامة تكمّل ذاتها بما يظهر من فضائلها من حدّ القوّة إلى حد الفعل، من العلوم الحقيقة، و الأخلاق الجميلة، و الآراء الصحيحة، و الأعمال الصالحة، و الصنائع المحكمة، و المهن المتقنة، بحسب قبول شخص تأثيراتها بصفاء جوهره و لطافة جرمه.
فصل
و اعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيّدك اللّه و إيانا بروح منه، أن النفس جوهرها لا يبيد، و قواها لا تفنى، و أفعالها لا تنقطع، لأن مادتها من العقل بالتأييد لها دائم، و قبولها منه الفيض سرمدا متصل.
و هكذا تأييد الباري تعالى للعقل دائما و أبدا، و فيضه متصل، و قبول العقل لذلك متصل دائم. لأن فضائل الباري تعالى لا تفنى، و عطاياه لا تنقطع،