رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٩٢ - الرسالة السابعة من النفسانيات العقليات في البعث و القيامة(و هي الرسالة الثامنة و الثلاثون من رسائل إخوان الصفاء)
و قلوب صافية، و أذن واعية، و أخلاق طاهرة؛ و أن يكونوا غير متعصبين في الآراء و المذاهب المختلفة؛ و مع ذلك يكونون قد ارتاضوا في الرياضات الفلسفية، من علم العدد و الهندسة و المنطق و الطبيعيّات، ثم نظروا في العلوم الإلهيات. و قد ذكرنا في رسائلنا طرفا من ذلك، و بيّنا فيها ما يحتاج إخواننا من هذه العلوم إليها، و المعرفة بها، فانظر يا أخي فيها، و اعتبرها، و تأمّلها، ترشد إن شاء اللّه.
ثم اعلم يا أخي أن معنى القيامة مشتقّ من قام يقوم قياما، و الهاء فيه للمبالغة، و هي من قيامة النفس من وقوعها في بلائها. و البعث هو انبعاثها و انتباهها من نوم غفلتها، و رقدة جهالتها، و هي بالفارسية رستخيزاي، قياما مستويا.
و اعلم يا أخي، أيدك اللّه و إيانا بروح منه، أن كل عاقل لبيب، إذا تفكر في أمر الدنيا، و تأمل تصرّف حالاتها بأهلها، من الكون و الفساد، و التغيّر و الاستحالة، و خاصّة أمر الحياة و الممات اللذين مرهون بهما جميع الحيوان، و اعتبر أحوال الماضين من القرون السالفة، تيقّن أنه لا محالة ميت، و صائر إلى ما صاروا إليه، فيودّ، عند ذلك، و يتمنى أن يعرف حقيقة أمر الآخرة على صحة و بيان، ليكون على يقين منها.
و اعلم يا أخي بأن الناس في أمر الآخرة على رأيين و مذهبين: فطائفة مقرّة بها، و طائفة منكرة. فالمنكرون أمر الآخرة هم الذين يظنون أن حكم الإنسان بعد الممات كحكم النبات و الحيوان. و ذلك أنهم لما تأملوا أمرهما، و تفكروا في كونهما و فسادهما، و اعتبروا أحوالهما، وجدوا النبات يتكوّن و ينشأ و يبلغ إلى غاية ما، ثم يبلى و يضمحلّ، و يتكوّن مثله آخر. و هكذا أمر الحيوان يتوالد و يتربّى، ثم يبلغ إلى غاية ما، ثم يموت و يهلك و يبلى، و يتكوّن آخر مثله. فلما وجدوا حكم النبات و الحيوان على ما وصفنا، جعلوا ذلك قياسا على حال الإنسان، فقالوا: