رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٥ - فصل
فصل
ثم اعلم أنه ليس في كثرة الأكل افتخار و لا يحتاج من الأكل و الشرب إلّا إلى مقدار ما يسكّن الجوع و العطش. فإذا سكن ذلك كان سكونه بألوان من المأكولات أو بكسرة من خبز الشعير، أو بشرب الماء القراح كما قال عيسى، ٧، للحواريين: «إن أكل خبز الشعير، و شرب الماء القراح اليوم في الدنيا لكثير لمن يريد أن يدخل الفردوس غدا.» ثم إن الافتخار و الثناء ينبغي أن يكون في اقتناء الفضائل الحكمية، و في الاستضاءة بنور العلم، و الاستبصار بالآيات و الدلالات على معرفة حقائق الأشياء، و الحكمة و التألّه و الزّهد و التصوّف، و لزوم مذاهب الرّبانيين، و التهاون بأمر الجسد، و الاهتمام بأمر النفس، و الحرص على خلاصها من ظلمة الجهالة، و استنقاذها من بحر الهيولى، و عتقها من أسر الطبيعة، و الخروج من قعر الأجسام، و الصعود إلى عالم الأرواح، و الدخول في زمر الملائكة كما ذكر اللّه تعالى: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ» يعني به روح المؤمنين. و قال: «إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ» و قال: «إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ» يعني به أنفس الأبرار. و قال:
«حَتَّى إِذا جاؤُها وَ فُتِحَتْ أَبْوابُها وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ» و قال: «وَ الْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ».
و اعلم يا أخي، أيدك اللّه و إيانا بروح منه، أن الجسد إذا خرج من الرحم سالما من الآفات العارضة، صحيح الحواس، و قوي بدن الطفل، استتبّت و انبسطت قوى النفس في الجسد، و باشرت القوى الحساسة ذوات المحسوسات، و أدركتها على هيئتها؛ ثم أدّت رسومها إلى القوى المتخيلة التي في مقدّم الدماغ، و أدتها المتخيّلة إلى القوة المتفكرة. ثم إذا غابت المحسوسات عن مشاهدة