رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٧٦ - فصل
بدنه و مفاصل جسده. و هذا قول مجمل قد شرحنا تفسيره و بيّنّاه في جميع رسائلنا أجمع، و لكن لا بد من أن يصادره المتعلمون في أول الأمر، و المبتدئون بالنظر في هذا الشأن العظيم، كما يصادرون سائر العلوم و الصنائع ثم في آخر الأمر يعرفون حقيقته و تتبين لهم صحته.
فصل
ثم اعلم أن غرض إقرار المبتدئين، و اعتقاد المتعلمين في مبدإ كل صناعة، على تحقيق أصولها قبل معرفتهم بها تقليدا، هو من أجل أنه لا يبين ذلك إلّا بعد التبحّر فيها و البحث و الكشف عنها.
و اعلم أنه كما أن المتوسطين في كل علم و صناعة لا يرضون بالتقليد، إذ قد يمكنهم البحث و الكشف عنه بالبراهين، فهكذا أيضا ينبغي للمقرّين بكتب الأنبياء، :، و ما فيها من الأسرار و الإشارات المكنونة و العلوم الشريفة. و المتوسطون في العلوم لا يرضون بالتقليد مثل الصبيان و النساء و ضعفاء العقول، بل يجب عليهم البحث عنه و الكشف عن الأسرار و الإشارات. ذلك بأن ليس غرض الأنبياء، :، فيما وصفوا من مجلس الجنان و لذّات أهلها هو الإقرار باللسان حسب بلا اعتقاد، و لا الاعتقاد حسب بلا تحقيق يظهر لهم، بل الغرض هو التصوّر لها بحقائقها كيما تقع الرغبة فيها و الطلب لها، لأن الإنسان لا يطلب ما لا يرغب فيه، و لا يرغب فيما لا يتحققه، و لا يتحقق ما لا يتصوره، و لا يتصور الشيء الخفي الغائب إلّا بالوصف البليغ بالمحاسن.
فمن أجل هذا أكثر في القرآن من وصف محاسن الجنان و سرور أهلها و لذات نعيمها، فتارة وصفها أوصافا جسمانية على قدر طاقة القوم مثل قوله تعالى:
«عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَ أَبارِيقَ» الآية. ذكر هذا و بيّن على قدر قبول أفهامهم،