رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٨٩ - الرسالة السابعة من النفسانيات العقليات في البعث و القيامة(و هي الرسالة الثامنة و الثلاثون من رسائل إخوان الصفاء)
بعد الموت، و الحشر، و الحساب، و الجزاء، و ثواب المحسنين، و عقاب المسيئين.
و ذلك أن كل إنسان لا يعرف نفسه، و لا يعلم ذاته، و لا يعلم ما الفرق بين النفس و الجسد، تكون همّته كلّها مصروفة إلى إصلاح أمر الجسد، و مرافق أمر البدن، من لذّة العيش، و التّمتّع بنعيم الدنيا، و تمني الخلود فيها، مع نسيان أمر المعاد و حقيقة الآخرة! و إذا عرف الإنسان نفسه و حقيقة جوهرها، صارت همّته، في أكثر الأحوال، في أمر النفس، و فكرته أكثرها في إصلاح شأنها، و كيفيّة حالها، بعد الموت، و اليقين بأمر المعاد، و الاستعداد للرحلة من الدنيا، و التزوّد للمعاد، و المسارعة في الخيرات، و التوبة و تجنّب الشر و المنكر و المعاصي.
فإذا فعل ذلك، يزول عنه خوف الموت، و ربما تمنى لقاء اللّه تعالى، و هذه صفة أولياء اللّه تعالى و عباده الصالحين، كما ذكر اللّه سبحانه و أشار إليهم بقوله في كتابه على لسان نبيّه محمد، صلى اللّه عليه و سلم، في توبيخه لليهود، لما زعموا أنهم أولياء اللّه من دون الناس، فقال لهم: «فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» بأنكم أولياء اللّه من دون الناس، و إنما يتمنى أولياء اللّه الموت، إذا تذكروا ما وعدهم اللّه، و أعدّه لهم من التحيّة و السلام، كما قال جل ثناؤه: «تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ، وَ أَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً» و قال تعالى أيضا:
«وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ.» و قد علم كل عاقل علما يقينا أن أجساد هؤلاء قد بليت في التراب، و أن هذه الكرامة و التحية و السلام هي لأرواحهم و نفوسهم الطاهرة الزكيّة، كما ذكر، جل ثناؤه، بقوله تعالى:
«يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي» و قال تعالى: «وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها، قَدْ