رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٥٧ - (حكاية)
فقالا: و كيف نؤذيك في بستانك، و نحن على ما ترى من الزمانة[١] و سوء الحال، أحدنا أعمى و الآخر مقعد. و أي حيلة لنا في تناول شيء من الثمار و هي على رءوس الأشجار؟
فقال صاحب البستان لهما: ادخلا ذلك المكان، و تبوّآ مكانا منه.
و أوصى بهما الناطور الموكّل بالبستان، و قال له: احفظهما و أحسن إليهما و أتهما من ثمرة هذا البستان ما يكون فيه صلاح شأنهما.
فقال: سمعا و طاعة.
و مضى صاحب البستان لشأنه، و أقاما على ذلك مدة، و الناطور يتعهدهما بما فيه كفاية لهما. و أينعت الثمار، و كثرت و حسنت، فقال المقعد يوما للأعمى: ويحك، إنك صحيح الرّجلين، و إن في هذه الأشجار التي في هذا البستان أنواعا من الثمرات و أجناسا من الطيبات، و هذا الناطور لا يحمل إلينا من هذا الجيّد شيئا، فما الحيلة في تناول ذلك؟
فقال الأعمى: قد شوّقتني إلى ما ذكرت، و إنك ترى و تعاين من هذه الطيبات و أصناف الثمرات، فما الحيلة في ذلك؟
فلم يزالا يفكّران و يعملان الرويّة إلى أن قال المقعد للأعمى: ويحك، أنا صحيح العين أرى ما غاب عنك، فاحملني على كتفك لأطوف بك في البستان، فكلما رأيت ثمرة مليحة طيبة، قلت لك: قدّمني يمنة و يسرة و تطاول و تقاصر، فأقطفها لك فآكل منها و أطعمك، و ما اعتذر وصول يدي إليه، أضربه بعصاك إلى أن يقع، فتشيله بيدك أنت، و ليكن ذلك إذا غفل الناطور.
فقال الأعمى: نعم ما رأيت، و أنا أفعل ذلك غدا.
فلما كان الغد، ذهب الناطور في حوائجه، و أغلق باب البستان، فركب
[١] -الزمانة: العاهة.