رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٦٢ - فصل
فصل
ثم اعلم أن الدين و الشريعة في أزمان النبي المبعوث، ٧، إلى قومه هما من اللّه تعالى، و لا يكون فيهما اختلاف و لا تباغض و لا عداوة، و يكون رأي المؤمنين في زمانه رأيا واحدا، و تكون محبة بعضهم لبعض خالصة لا تشوبها كدورة، و يكونون مطمئنين مساعدين على إقامة الدنيا و مجاهدة الكافرين؛ و إنما مجاهدتهم الكفار لا لعداوة منهم للكفار، بل ليردّوهم إلى الحق، ليكون المسلمون فارغي البال من كيدهم و نهبهم، و يقنعوا من الكفار بالجزية، إن لم يقبلوا الدين، لأنهم لا يأمنونهم إن تركوهم و لم يطلبوهم في بعض الأوقات بالجزية، فقد قيل في المثل: إن الروم إن لم تغز غزت. فهذا سبب قتالهم الكفار، و إلّا فليس لهم رغبة في سفك الدماء و إتلاف النفوس و خراب الديار، و بالرغم منهم يجري ذلك على أبدانهم ضرورة لما أعلمتك، لأن ظاهر هذا الفعل من فعل الأشرار الذين لا رأفة لهم و لا رحمة. و لذلك كان رسول اللّه، صلى اللّه عليه و آله، إذا أراد قتال المشركين، أرسل إليهم من ينذرهم و يحذّرهم و يبيّن لهم فساد ما هم فيه، و يدعوهم إلى ما معه من الحق، كما أمر اللّه تعالى بقوله: «ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.» و أمره بالملاطفة فقال تعالى: «وَ قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً.» و قال لموسى، ٧، لما أرسله هو و هارون، ٨، إلى فرعون:
«فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى.» ففعل النبي، ٧، ذلك.
فلما أبوا و استكبروا، و قالوا: لا نرضى بدينك، و كانوا من أهل الكتاب، أمرهم على بذل الجزية بعد أن تجري عليهم أحكامنا، و يكفّوا أذيتهم عنا، ليكون إذلالا لهم، لئلا يحدّثوا أنفسهم بغلبتهم على المؤمنين، و يكون ذلك