رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٨١ - فصل في أنواع المحبوبات و ما الحكمة فيها
في ذاتها هي المتمّمة لها، المكمّلة لفضائلها، المبلغّة لها إلى أتم غاياتها، و أفضل نهاياتها عند باريها، جلّ ثناؤه، كما قال تعالى: «فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ».
ثم اعلم أن هذه الأحوال لا تليق بالنفس الشهوانية، و لا بالنفس الغضبية، و لكن تليق بالنفس الناطقة إذا هي انتبهت من نوم الغفلة، و استيقظت من رقدة الجهالة، و انفتحت لها عين البصيرة، و عاينت عالمها، و عرفت مبدأها و معادها، و اشتاقت عند ذلك إلى باريها، و تاقت و حنّت إليه، كما يحنّ العاشق إلى معشوقه. و إلى هذا أشار بقوله تعالى: «وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ».
يعني من كل محبوب سواه.
ثم اعلم أن كل نفس، إذا أحبّت شيئا، اشتاقت و حنّت نحوه، و طلبته و توجهت نحوه حيث كان، و لم تلتفت إلى شيء سواه، و لم تعرّج عليه كما قال الشاعر:
|
أحبّ حبيبا واحدا لست أبتغي، |
مدى الدهر، عنه، ما حييت، بديلا |
|
|
فإن ظفرت كفي به فهو بغيتي، |
و إن فات، ما أبغي سواه خليلا |
|
ثم اعلم أن كل محب لشيء من الأشياء، مشتاق إليه، هائم به، و أنه متى وصل إليه و نال ما يهواه منه، و بلغ حاجته من الاستمتاع به و التلذذ بقربه، فإنه و لا بدّ يوما من أن يفارقه، أو يملّه، أو يتغيّر عليه.
و تذهب تلك الحلاوة، و تتلاشى تلك البشاشة، و يخمد لهب ذلك الاشتياق و الهيجان، إلّا المحبين للّه تعالى من المؤمنين و المشتاقين إليه من عباده الصالحين، فإن لهم كل يوم من محبوبهم قربة و مزيدا أبد الآبدين، بلا نهاية و لا غاية.
و إلى المحبّين لسواه، عز و جل، أشار بقوله: «كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً.» ثم عطف نحو محبيه فذكر حالهم و كنى عن ذكرهم و إلى نحو ذكرهم فقال تعالى: «وَ وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ» يعني