رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٨ - فصل في اعتبار الموت و الحياة
فصل في اعتبار الموت و الحياة
فاعلم أنه إذا فكر العاقل العالم في تركيب هذا الجسد و ما هو عليه من إتقان البنية و إحكام الصنعة، كما ذكر في كتاب التشريح و كتاب منافع الأعضاء بشرح طويل من عجائب تأليف أعضائه، و غرائب تركيبه، و حسن هندام مفاصله، و كيفية تشعّب الأعصاب الممتدة على أعضائه و عظامه المؤتلفة عليها، المتمكنة بمفاصلها، المنتشرة إلى أطراف بدنه، المنشأة منها الأوتاد اللينة الرقيقة للحس و للشعور، و كيفية تشعّب العروق الواردة التي منشأها من عمق الكبد المنتشرة في خلل اللحم، الموردة للدم الى أطراف البدن؛ و كيفية تشعب العروق الضاربة التي منشأها من القلب، المنتشرة في عمق البدن، الموصلة للنّبض إلى أطراف الجسد؛ و كيفية طبقات بنية بدنه بعضها فوق بعض، كما بينّا في رسالة تركيب الجسد و الأوعية المعدّة للأغراض المختلفة، لجر المنفعة أو لدفع المضرة؛ و كيفية ابتدائه من النّطفة و تتميمه في الرحم و نشوئه في أيام الصبا، و تكميله في أيام الشباب، و تنضيجه في أيام الكهولة، فيرى أنه غاية الكمال و الحكمة و الصواب و الإتقان.
ثم إذا تفكر في أيام الشيخوخة و في ذهاب قوته و تغييرات رونقه و إدباره و نقصانه ثم هدمه بالموت و تغيّره بعد ذلك بالانتفاخ و النّتن و فساده؛ ثم كيف يبلى في التراب و يضمحلّ و لا يعرف ما وجه الحكمة فيه، فيتحير و يتشكك و يضلّ عن الصواب. فمن أجل هذا احتجنا أن نذكر في هذه الرسالة الموت و الحياة، و نبين ما الحكمة في خلقهما و كونهما.
و اعلم أنه إذا فكر العاقل اللبيب في خلقة الرّحم و حال المشيمة[١] و كون الجنين من النّطفة، و كيفية ذلك المكان، و ما قد أعدّ هناك من المرافق
[١] -المشيمة: محل الولد تخرج معه عند الولادة.