رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٤٨ - فصل
أن يخبر، إذا سئل عن علّة كل موجود، و لما ذا، و كيف، و ما الحكمة في كونه، و ما الفائدة في وجوده؟- إن كان يحسن ذلك- و إلّا ينبغي له أن يقول: اللّه و رسوله أعلم، و لا يأنف أن يقول: لا أدري. فنقول:
قبل كل شيء إنه ينبغي لمن يريد النظر في حقائق الأشياء و البحث عن عللها، و السؤال عن أسبابها، و لم، و كيف، و لما ذا، و ما الحكمة فيها؟ أن يكون له قلب فارغ من هموم الدنيا و أمورها، و نفس زكيّة، و فهم دقيق، و عقل واضح، و أخلاق طاهرة، و صدر سليم من الدغل و الغشّ و الآراء الفاسدة، و يكون مرتاضا بالرياضيّات الحكميّة الأربع، و النظر في المنطق و الطبيعيّات، و يكون قد عرف السّؤالات و أجوبتها- كما بيّنّا في رسالة الأجناس من العلوم- ثم ينظر في هذا الفن الذي يسمّى علم الأنبياء الملقّب بعلم الإلهيّات، لأن هذا العلم هو الغاية القصوى التي ينتهي إليها الإنسان في علم المعارف التي تلي رتبة الملائكة الذين هم الملأ الأعلى، و سكّان السماوات، و ملوك الأفلاك.
فصل
ثم اعلم أن الأشياء هي أعيان، أي صور غيريّات أفاضها و أبدعها الباري تعالى، كما أن العدد هو أعيان أي صور غيريّات، فاض من الواحد بالتكرار في أفكار النفوس، و الأشياء كانت في علم الباري تعالى قبل إبداعه و اختراعه لها، كما أن الواحد لم يتغيّر عما كان عليه قبل ظهور العدد منه في أفكار النفوس.
و من أخص أوصاف الباري أنه غير الوجود، و أصل الموجودات و علّتها، كما أن الواحد أصل العدد و مبدؤه و منشؤه، فلو كان الباري تعالى ضدّا لكان العدم، و لكن العدم ليس بشيء، و الباري تعالى في كل شيء، و مع كل شيء، من غير مخالطة لها و لا ممازجة معها، كما أن الواحد في كل عدد