رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٧٦ - فصل في ماهية علة فنون المعشوقات
فصل في ماهية علة فنون المعشوقات
لم يا أخي أن كثيرا من الناس يظنون أن العشق لا يكون إلّا للأشياء الحسنة حسب! و ليس الأمر كما ظنوا فإنه قد قيل: يا ربّ مستحسن ما ليس بالحسن! و لكن العلّة في ذلك هي الاتفاقات التي بين العاشق و المعشوق، و هي كثيرة لا يحصي عددها إلّا اللّه جل ثناؤه، و لكن نذكر منها طرفا ليكون دليلا على الباقية. و ذلك أن الاتفاقات بحسب المناسبات التي بين أجزاء المركّبات. فمن تلك المناسبات ما هي بين كلّ حاسّة و محسوساتها، و ذلك أن القوة الباصرة لا تشتاق إلّا إلى الألوان و الأشكال، و لا تستحسن منها إلّا ما كان على النّسبة الأفضل، و هكذا القوّة السامعة لا تشتاق إلّا إلى الأصوات و النغم، و لا تستلذّ منها إلّا ما كان على النّسبة الأفضل، كما بيّنا في رسالة الموسيقى.
و على هذا القياس سائر الحواسّ كلّ واحدة منها لا تشتاق إلّا إلى محسوساتها، و لا تستحسن و لا تستلذّ إلّا ما كان منها على النسبة الأفضل بينهما في الآفاق.
و لما كانت تراكيب أمزجة الحواس و المحسوسات كثيرة الفنون، و كثيرة التغيير، غير ثابتة على حالة واحدة، صارت القوى الحسّاسة في إحساسها لمحسوساتها مفنّنة متغيرة، و ذلك أنك تجد واحدا من الناس، أو من الحيوان، يستلذّ مأكولا، أو مشروبا، أو مسموعا، أو مشموما، و الآخر لا يستلذه، بل ربما كان يكرهه و يتألم منه. و هكذا تجد الإنسان الواحد يستلذ في وقت ما شاء و يستحسنه، و في آخر يكرهه و يتألم منه. كل ذلك بحسب اختلاف التراكيب و فنون الأمزجة، و ما يعرض لها، و ما يحدث بينها من المناسبات و المنافرات، و شرحها طويل.
و اعلم يا أخي أن الحكمة الإلهية و العناية الربّانية قد ربطت أطراف الموجودات بعضها ببعض رباطا واحدا، و نظمتها نظاما واحدا. و ذلك أن