رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٧٤ - الرسالة السادسة من النفسانيات العقليات في ماهية العشق(و هي الرسالة السابعة و الثلاثون من رسائل إخوان الصفاء)
جنينا؛ و ذلك أن همّة العاشق و مناه هو الدنوّ و القرب من ذلك الشخص.
فإذا اتفق له ذلك و سهل، تمنى الخلوة و المجاورة. فإذا سهل ذلك تمنى المعانقة و القبلة. فإذا سهل ذلك تمنى الدخول في ثوب واحد، و الالتزام بجميع الجوارح أكثر ما يمكن. و مع هذه كلها الشوق بحاله لا ينقص شيئا بل يزداد و ينمو كما قيل:
|
أعانقها، و النفس بعد مشوقة |
إليها، و هل بعد العناق تداني؟ |
|
|
و ألثم فاها كي تزول صبابتي، |
فيزداد ما ألقى من الهيمان |
|
|
كأن فؤادي ليس يشفي غليله، |
سوى ما يرى: زوجان ممتزجان |
|
ثم اعلم أن روح الحياة إنما هو بخار رطب يتحلل من الرطوبة و الدم، و ينشأ في جميع البدن؛ و منها تكون حياة البدن و الجسم، و مادة هذه الروح من استنشاق الهواء بالتنفّس دائما لترويح الحرارة الغريزيّة التي في القلب. فإذا تعانق العاشق و المعشوق جميعا، و تباوسا، و امتصّ كل واحد منهما ريق صاحبه و بلعه، وصلت تلك الرطوبة إلى معدة كل واحد منهما، و امتزجت هناك مع الرطوبات التي في المعدة، و وصلت إلى جرم الكبد، و اختلطت بأجزاء الدم هناك، و انتشرت في العروق الواردة إلى سائر أطراف الجسد، و اختلطت بجميع أجزاء البدن، و صارت لحما و دما و شحما و عروقا و عصبا و ما شاكل ذلك.
و هكذا أيضا إذا تنفّس كل واحد منهما في وجه صاحبه، خرج من تلك الأنفاس شيء من نسيم روح كل واحد منهما، و اختلط بأجزاء الهواء. فإذا استنشقا من ذلك الهواء، دخلت إلى خياشيمهما أجزاء ذلك النسيم مع الهواء المستنشق، و وصل بعضه إلى مقدّم الدّماغ، و سرى فيه كسريان النور في جرم البلّور، و استلذّ كلّ واحد منهما ذلك التّنسّم. و وصل أيضا من أجزاء ذلك الهواء المستنشق بعض إلى جرم الرّئة في الحلقوم، و من الرّئة