رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٥٩ - فصل
أن كل كائن في هذا العالم له أربع أحوال متباينة، إحداها ابتداء كون الوجود، و منها زيادته و نموّه و ارتقاؤه إلى نهاية ما. و منها توقّفه و انحطاطه و نقصه. و منها زمان بواره و عدمه. و علة ذلك أن كل شخص في الفلك له حركة دائرة تخصّه، فإن لحركته في دائرته أربع أحوال: منها صعود من الحضيض، و منها صعود إلى الأوج، و منها هبوطه من الأوج، و منها هبوطه إلى الحضيض. يعرف حقيقة ما قلنا أصحاب المجسطي.
و من الحركات السريعة، القصيرة الزمان، القريبة الاستئناف، ما يدور في كل أربعة أشهر مرة واحدة، و هي حركة عطارد في فلك تدويره، تارة مستقيما، و تارة راجعا، و تارة مشرّقا، و تارة مغرّبا، و تارة منحرفا، و تارة صاعدا في ذروته، و تارة هابطا إلى حضيضه، و تارة واقفا من موازاة درجة واحدة. و الذي يحدث و يتمّ من هذه الحركة، في هذه المدة، في هذا العالم، كون بعض النبات كالسّمسم و الذّرة و الشعير و أمثالها، كما بيّنّا في رسالة النبات. و عن هذه الحركة في هذه المدّة قد يتمّ كون بعض الجواهر المعدنية كما يتمّ بالصّنعة. يعرف ما قلنا أصحاب المعادن، و الذين يسبكون الزّجاج، و الذين يتعاطون صناعة الكيمياء، عن هذه الحركة في هذه المدة، في هذا العالم، قد يتمّ خلقة بعض الحيوانات و تولّدها كبعض السباع و الوحوش و الغزلان، و بعض الغنم، كما بيّنّا في رسالة الحيوانات.
و مما يكون عن هذه الحركة في هذه المدة، في هذا العالم، ما يعرض لبعض الناس من الحوادث عند اختلاف أحوال عطارد في دورانه، مما يذكره أصحاب أحكام النّجوم في مواليدهم. و بيان ذلك أنه إذا خلف عطارد، يعرض لبعض الناس أمراض و أعلال و أوجاع، و خاصة للصبيان؛ و ما يعرض لبعض الكتّاب، و العمّال، و أصحاب الدواوين، و الوزراء من العزل و الاعتقال و المصادرات، و لبعض الصّنّاع من العطلة و الكسل، و لبعض التجّار من الخسران و المحق، و لبعض الناس من الحبس و الاستتار و العسرة.