رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٤٧ - فصل
فصل
ثم اعلم أن اللّه تعالى قد علم بأنه يعرض للعقلاء هذه الشكوك و الحيرة حيث تفكّروا في كيفية حدوث العالم، و لا يتصوّر بهذه الطريقة لصعوبتها، فجعل له طريقا آخر أسهل من هذه، و أقرب، و ركّزها في نفوسهم كأنها مكتوبة فيها كتابة إلهيّة، لا يمكن لأحد من العقلاء إنكاره، إذا أنصف عقله، لأنه يجد صدقها في نفسه شاهدا له بها، و هي كيفية صورة العدد، و منشؤه من الواحد الذي قبل الاثنين كما في رسالة الأرثماطيقي.
ثم اعلم أن الحكماء و العلماء هم ورثة الأنبياء، و الأنبياء هم سفراء اللّه بينه و بين خلقه، ليعبّروا عنه المعاني، و يفهموها الناس بلغات مختلفة، لكل أمة ما تعرفه، على قدر احتمال أفهامهم. فإذا مضت الأنبياء لسبلها، خلفهم العلياء و الحكماء، و قاموا مقامهم، و نابوا منابهم ذا كانوا يقولون و يفعلون، و يعلمون الناس من معالم الدين و طريق الآخرة و مصالح الدنيا. فمن قبل منهم ما قالوه، و عمل بما أمروه، فهو على طريق النجاة و الفوز، و من أبى و كفر به، فهو على خطر عظيم و خوف من الهلاك. فاحذر يا أخي مخالفة الحكماء، و معاندة العلماء، بل كن منهم إذا استوى لك. و ينبغى أن لا ترضى لنفسك إلّا بأعلى مرتبة في العلم و الحكمة، فإن بذلك يكون القربة إلى اللّه كما ذكر بقوله:
«قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ؟ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ».
و إذ قد بان بما ذكرنا طرف من فضيلة العلماء و مناقب الحكماء، فنقول الآن: قد قالت الحكماء كلمة كلّية صادقة و هي قولهم: إن الطبيعة لم تفعل شيئا باطلا، و معنى هذا القول أنه ليس شيء في الموجودات بلا فائدة و لا عائدة، بل ما من شيء إلّا و فيه جرّ لنفعة أو دفع لضرّ. فإذا كان الأمر كما ذكرت، فيحتاج كلّ من يدّعي أنه يعرف الحكمة، أو يعاطى التحقيق،