رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣١٤ - فصل
فصل
ثم اعلم أن جهنم لها طبقات كثيرة، و هي الأهواء المختلفة، و الجهالات المتراكمة التي النفوس فيها محبوسة، و معها موقوفة، و قلوب أهلها معذّبة منها بألوان من الآلام، و هم في العذاب مشتركون، كلما مضت منهم أمة فانقرضت، خلقها قوم آخرون من تلاميذهم و أتباعهم في تلك المذاهب و الآراء؛ و كلما دخلت من الآراء أمة لعنت أختها المخالفة لها كما ذكر اللّه تعالى في عدة سور من القرآن. قوله في سورة الاعراف: «كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها» أو في سورة أخرى: يلعن بعضهم بعضا؛ و يتعايرون، و يتنادرون، و يتباغضون، و هم في العذاب مشتركون. فهذه حالهم في الدنيا و في الآخرة سواء و أشرّ لو كانوا يعلمون. وقاك اللّه و إيانا شرّهم برحمته! و أما ما قيل من تتعاطى علم النفس و الطبيعة ما تقول يا أخي[١] ان الصانع الذي بنى هذه المدينة، أعني جسد الإنسان، أ هو الساكن فيها و المستعمل لها في هذه الساعة أو غيره؟ فإن كان المستعمل لها في هذه الساعة هو الذي بناها، فلم لا يدري كيف بناها، و لم لا يذكر كيف كانت. فإنّا نرى أصحاب التشريح لم تعرف كيفيّة بنية هذا الجسد إلّا بعد هدمه و نقضه و خرابه. و إن كان هذا الذي بنى هذه البنية هو غير المستعمل لها هذه الساعة، فترى بنّاؤها بناها بنفسه، أو بناها على يدي غيره، ثم سلّمها إلى المستعمل لها دون ما فيها، أ ترى أن هذا المستعمل لهذه البنية هو تلميذ ذلك الصانع الذي بنى هذه المدينة، أو ابن له كان في ذلك الوقت صبيّا جاهلا، و صار الساعة بالغا عاقلا حكيما، و إنما كان بالقوّة فيخرج الآن إلى
[١] -كذا في الاصل، و فيه خلل كما لا يخفى.