رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣١٦ - فصل
و أمرهم بطاعته، و أوصاه بسياستهم. و دعاهم و أمرهم و نهاهم، فلم يسمعوا له و لم يطيعوا أمره، لأنه كان شبه زحل! بل آذوه، فصبر زمانا، ثم شكا إلى أبيه، فغضب عند ذلك عليهم و رمى أكثرهم إلى الماء. فلما رأى ما أصابهم اعتمّ و حزن و نعس و نام، و حمل إلى أبيه، فقال: اتركوه نائما إلى يوم الجمعة.
ثم إنه رزق في اليوم الثالث ابنا آخر، و كان أشبه الناس بأخويه اللذين تقدم ذكرهما، فتربّى و نشأ و كمل و نما، و كان خيّرا فاضلا، عالما محجاجا، فولّاه أبوه مكان أخويه، و أمر الرعية بطاعته، و أوصى إليه بما أوصى إلى أخويه، فدعاهم و أمرهم و نهاهم، فلم يسمعوا له و لم يطيعوه، لأنه كان أشبه بالمشتري، و فزّعوه بالنار، فذهب إلى أبيه، و بنى له هيكلا، و نذر له قربانا، و عمل مناسك، و نادى في الناس: هلمّوا تعالوا لتروا ما لم تروا، و تسمعوا ما لم تسمعوا، ثم نام، و حمل إلى أبيه فقال: اتركوه نائما إلى يوم الجمعة. و بقي نداؤه في مسامع النفوس يتوارثونه من غير أن يسمعوه و يذهبون إلى هيكله فيرون ظاهره و مرآه ما لا يبصرون، و يفعلون سنّة مناسكه، و لكنهم معناها لا يفهمون، لأنهم صمّ بكم عمي فهم لا يعقلون.
و أعيذك أيها الأخ أن تكون منهم، و انظر بنور عقلك في رسالة أفعال الروحانية، لعلك تعرف ما قلنا، و تفهم ما أشرنا إليه.
ثم إنه رزق في اليوم الرابع ابنا آخر، فتربى و نشأ و كمل و نما، و كان جلدا قويّا، جريئا مقداما، فولّاه أبوه مكان إخوته، و أمر الرعية بطاعته، و أوصى إليه بما كان أوصى إلى إخوته، فدعاهم و أمرهم و نهاهم، فلم يسمعوا له و لم يطيعوه، لأنه كان شبه المرّيخ! و بارزوه و بارزهم، و ناوشوه و ناوشهم، و كان مؤيّدا بقوة أبيه، فغلبهم و بدّد شملهم و فرّق جمعهم و شتّت ألفتهم، و رماهم في البر و البحر. ثم بقي وحيدا كالغريب يدعو فلا يجاب، و يأمر فلا يهاب! فاغتمّ و حزن و نعس و نام، و حمل إلى أبيه، فقال: دعوه