رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٨ - فصل
و صنائعها، كمثل سؤال أولئك الأخوة الصغار الضعفاء العقول القليلي الفهم.
و مثل أولئك الأخوة العقلاء الذين سئلوا فأجابوا بشرح طويل، فأوقعوا الخلف بين الأخوة، كمثل الفلاسفة في أجوبتهم عن كيفية حدوث العالم و الهيولى و الصورة و العنصر و الطبيعة و ما شاكلها من الألفاظ الغريبة المعاني البعيدة التصور. و مثل أولئك الأخوة القضاة و العدول في أجوبتهم، كمثل الأنبياء، :، و خلفائهم. و مثل ذلك الأب الشفوق الرحيم هو الباري تعالى باعث الأنبياء، :، ليكونوا قضاة بين خلقه في ما يختلفون فيه من هذه المسائل و يجيبوهم بحسب ما يليق بعقولهم و مبلغ فهمهم.
فصل
ثم اعلم أنّا قد أخبرنا عن علة حدوث العالم، و بيّنّا كيفية صنعته و ماهيّة هيولاه و صورته في المبادي العقلية مثل ما ذكر القدماء الفضلاء الموحّدون منهم القائلون بحدوث العالم. و لكن يحتاج الناظر فيها و السائل عن هذه المسائل أن تكون له نفس زكية، و فهم دقيق، و قوّة رويّة، و جودة تصوّر روحانية كي يفهمها. فمن لم يفهم ما وصفنا، فينبغي له أن يقنع بما قالت الفلاسفة إن العالم معلول و علته الباري. و ربما قالت الأنبياء بأجمعها، :، إن العالم بأسره مخلوق و إن اللّه، عزّ و جلّ، هو خالقه و مبدعه و مخترعه.
فإن لم يعقل ما قالت الفلاسفة و ما أخبرت عنه الأنبياء، :، و لم يثق بقولهم، و لم تسكن نفسه إلى حكمهم، و لم يطمئن إلى قولهم، و يتكل على ما تخيّله القوّة الوهميّة، فلا ينبغي له أيضا أن يثق بحكمها، و لا أن يسكن إلى تخيّلها، لأنه تخيّل ما له حقيقة، و ما لا حقيقة له فلا يوثق به و لا يحكم بصحته، كما لا يوثق و لا يحكم بصحة القوّة الباصرة، إذا أرتك لون شيء من الطعام بأن تحكم على حقيقته إلّا بعد أن تستعين بالقوّة الشامّة. فإن عرفت حقيقته، و إلّا استعنت بالقوّة الذائقة.