رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٧٢ - فصل
قال: إن الإنسان بالحقيقة هو هذه النفس الناطقة، و الجسد لها بمنزلة قميص ملبوس، أو غلاف مغشّى عليه. فهذه ثلاث مقالات في كلام الحكماء في ماهيّة الإنسان. فأما اختلافهم في ماهيّة النفس فنبيّنه أيضا، و يجمعها ثلاث مقالات، و ذلك أن منهم من قال: إن النفس هي جسم لطيف غير مرئيّ و لا محسوس.
و منهم من قال: إنما هي جوهرة روحانية غير جسم، معقولة و غير محسوسة، باقية بعد الموت. و منهم من قال: إن النفس عرض يتولّد من مزاج البدن و أخلاط الجسد، يبطل و يفسد عند الموت، إذا بلي الجسد، و تلف البدن، و لا وجود لها إلّا مع الجسم البتّة، و هؤلاء قوم يقال لهم الجسميّون، لا يعرفون شيئا سوى الأجسام المحسوسة، و الأعراض ذوات الأبعاد الثلاثة التي هي الطول و العرض و العمق، و الأعراض التي تحلها مثال الألوان و الطعوم و الروائح و الأشكال ذوات الأضلاع من الأقطار و الزوايا؛ و ليس عندهم علم من الأمور الروحانية، و الجواهر النّورانية و الصّور العقليّة، و القوى النفسانية السارية في الأجسام، المظهرة فيها و منها أفعالها و تأثيراتها حسب.
فصل
ثم اعلم أن من العلوم الشريفة، و المعارف النفيسة، معرفة الإنسان نفسه، لأنه قبيح بكل عالم أن يدّعي معرفة حقائق الأشياء، و هو لا يعرف نفسه، و يجهل حقيقة ذاته، و هو يتعاطى الحكمة، لأن مثل ذلك كمثل من يطعم غيره و هو جائع، أو يكسو غيره و هو عريان، أو يهدي غيره و هو ضال في الطريق الأنهج. و قد علم كل عاقل ذاته في هذه الأشياء بأنه ينبغي للإنسان أن يبتدي أولا بنفسه ثم بغيره.
ثم اعلم أن الإنسان لا يمكنه أن يعرف نفسه على الحقيقة، إلّا أن ينظر