رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٨٧ - فصل
فصل
ثم اعلم أن الغرض من اتحاد المركّبات كلّها هو معرفة السبب الموجب لذاتها، المنشئ لمباديها، المؤلّف لكيفيّاتها، و كيف كان منشأ الابتداء، و إلى أين تؤول العاقبة في الانتهاء، و كيف كان التئام التأليف، و اتفاق اللطيف بالكثيف، و ازدواج التركيب، و كيف يكون افتراق المجتمع، و انفراد المزدوج، و انحلال المنعقد، و اتحاد منفردها، و عدم وجودها، و نفاد أجزائها بعد صحة وجودها و سلامة معهودها، و وثاقة معقودها. فإذا أنت علمته و تصوّرته و تبيّنته و تأملته بان لك، إذا ساعدك عليه حسّك و أوصلك إلى معرفة قبول جوهرة نفسك، و تأملته تأمل التحقيق، و بان لك كيفيّة التأليف و التركيب، و اقتران اللطيف بالكثيف اللذين بهما و بصحة معرفتهما وجود مادّتهما، و إحداهما مادّة أرضيّة و قوة جسميّة، و الأخرى صورة روحانية و شهوة ملكية، فيا لها من قصّة عجيبة ظريفة من اجتماع ما علا مع ما دنا، و ارتباط ما لطف بما كثف، حارت في ذلك عقول الحكماء، و تاهت فيه أذهان العقلاء، و انسدّت الطرقات، و انطمست العلامات، و تعذّرت الدلالات، إذ كان من المنكر في هذا العالم على من له حكمة و نظر أن يقرن العالم بالجاهل، و أن يجمع بين الجوهر و الحجر في مقرّ واحد، اللّهم الّا يكون أراد تعذيب العالم بالجاهل، جزاء له بذنب عمله و جرم قدّمه، أو مقارنة الجوهر بالحجر و كونهما في مكان واحد، ليكون الحجر سترا على الجوهر و واقيا له و غطاء عليه و حجابا بين يديه، لا أن يكون العالم و الجاهل عنده في مقام واحد. و كذلك الحجر و الجوهر إذا كانا في مقام من جهة الصّورة الجسمانية و الهيولى الجرمانية، منعكسان في فيء الهيولى، فإنهما لا يعرفان ما اتحد بهما بفيء الظل و الجوهر من المواد المضيئة و الرتب العلوية، أعني العالم، و الحجر عدم ذلك فليس يقال بأنه عالم.