رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢١٦ - فصل
و أمتعة و أثاث و آلات و حوائج، يملكها كلها ملك واحد، له في تلك المدينة جيوش و رعية و غلمان و حاشية و خدم و أتباع، و حكمه جار في رؤساء جنده و أشراف مدينته و تنّاء[١] بلده. و حكم أولئك الرؤساء و الأشراف و التّنّاء جار في أتباعهم، و حكم أتباعهم فيمن دونهم إلى آخره. و إن ذلك الملك يسوس تلك المدينة و أهلها على أحسنها من مراعاة أمورهم واحدا واحدا، صغيرهم و كبيرهم، أولهم و آخرهم، لا يخلّ بواحد منها.
فهكذا يجري حكم النفس الكلية في جميع أجزاء العالم من الأفلاك و الكواكب و الأركان و الموّلدات و المركبات و المصنوعات على أيدي البشر كجريان حكم ذلك الملك على تلك المدينة. و كذلك يسري حكمها في الأنفس البسيطة و الجنسية و النوعية و الشخصية في تصريفها لها و تحريكها، و تدبيرها للموجودات الجسمانية و أجناسها و أنواعها و أشخاصها، صغيرها و كبيرها، و أولها و آخرها، و ظاهرها و باطنها.
ثم اعلم أن مثل النفس الكلية كجنس الأجناس، و الأنفس البسيطة كالأنواع لها، و الأنفس التي دونها كنوع الأنواع، و الأنفس الجزئية كالأشخاص مرتّبة بعضها تحت بعض كترتيب العدد. فالنفس الكلية كالواحد، و البسيطة كالآحاد، و الجنسية كالعشرات، و النوعية كالمئات، و الأنفس الجزئية الشخصية كالألوف، و هي التي تختص بتدبير جزئيات الأجسام، و الأنفس النوعيّة مؤيّدة لها، و الجنسية مؤيّدة للنوعية، و النفوس البسيطة مؤيّدة للجنسية. و النفس الكلية التي هي نفس العالم مؤيّدة للنفوس البسيطة، و العقل الكليّ مؤيّد للنفس الكلية، و الباري، جل ثناؤه، مؤيّد للعقل الكلي، فهو مبدعها كلها و مدبّر لها من غير ممازجة لها و لا مباشرة، فتبارك اللّه أحسن الخالقين.
[١] -التنّاء: جمع تانئ و هو الدهقان أي زعم الفلاحين.