رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٥٢ - فصل
فصل
فنقول: إن الأمور الطبيعية أحدثت و أبدعت على تدريج ممرّ الدهور و الأزمان، و ذلك أن الهيولى الكلّي، أعني الجسم المطلق، قد أتى عليه دهر طويل إلى أن تمخّض و تميّز اللطيف منه من الكثيف، و إلى أن قبل الأشكال الفلكية الكريّة الشفافة، و تركّب بعضها في جوف بعض، و إلى أن استدارت أجرام الكواكب النّيّرة، و ركزت مراكزها، و إلى أن تميزت الأركان الأربعة، و ترتبت مراتبها و انتظمت نظامها. و الدليل على ذلك قوله تعالى: «خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ» و قوله تعالى:
«وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ».
فأما الأمور الإلهية الروحانية فحدوثها دفعة واحدة مرتّبة منتظمة بلا زمان و لا مكان و لا هيولى ذات كيان، بل بقوله: «كُنْ فَيَكُونُ.» و الأمور الروحانية الإلهية هي العقل الفعّال، و النفس الكلية، و الهيولى الأولى، و الصّور المجرّدة. و العقل هو نور الباري تعالى و فيضه الذي فاض أولا، و النفس هي نور العقل و فيضه الذي أفاضه الباري منه، و الهيولى الأولى هي ظلّ النفس و فيئها، و الصّور المجرّدة هي النقوش و الأصباغ و الأشكال التي عمّتها النفس في الهيولى بإذن اللّه تعالى و تأييده لها بالعقل.
و هذه الأمور كلها بلا زمان و لا مكان، بل بقوله: «كُنْ فَيَكُونُ» كما قال: «وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ». و المثال حدوث البرق و إشراق نور الشمس في الهواء، و إضاءة الأبصار، و رؤية الأشياء دفعة واحدة بلا زمان.
ثم اعلم أن الأركان الأربعة متقدّمة الوجود على مولّداتها بالأيام و الشهور و السنين، كما أن الأفلاك متقدّمة الوجود على الأركان بالأزمان و الأدوار و القرانات. و عالم الأرواح متقدّم الوجود على عالم الأفلاك بالدهور