رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٨٧ - فصل في بيان علة الاختلافات التي بين أهل الديانات النبوية بعضها في الأصول، و بعضها في الفروع
النواميس الإلهية أجمعون لا يختلفون فيها، كما بيّنّا في رسالة النواميس.
و أما الشرائع التي هي أوامر و نواه و أحكام و حدود و سنن، فهم فيها مختلفون كما قال تعالى: «لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً». و قال:
«لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ».
ثم اعلم أن اختلاف الشرائع ليس بضارّ، إذ كان الدين واحدا، لأن الدين هو طاعة و انقياد للرئيس الآمر فيما يأمر و ينهى المرءوسين بحسب ما يليق بواحد واحد، و ما يرى أنه يصلح له و يصلح فيه، لأن أوامر أصحاب النواميس و نواهيهم مماثلة لأمر الطبيب الرفيق الشفيق، فيما أمر العليل من الحمية في الصيف من تناول الأشياء الحارّة بالطبع، و إجازته شرب المبرّدات في البلدان الحارّة، و فيما يرى و يأمر له.
فمن أجل هذا اختلفت شرائع الأنبياء، :. و كذلك إن اختلفت سنن الدين و قواعد النواميس لأنهم أطباء النفوس و منجموها، و ذلك أن في الأدوار و القرانات و الألوف قد تعرض للنفوس من أهل كلّ زمان أمراض و أعلال مختلفة من الأخلاق الرديئة، و العادات الجائرة، و الآراء الفاسدة من الجهالات المتراكمة، كما يعرض للأجساد من الأمراض و الأعلال من تغييرات الزمان و الأهوية و الأغذية، فبحسب ذلك يجب أن يكون اختلاف علاجات الأطباء و مداواتهم.
فهكذا شرائع الأنبياء و اختلاف سننهم بحسب أهل كلّ زمان و ما يليق بهم أمّة أمّة، و قرنا قرنا، مثل شريعة نوح، ٧، في زمانه، و شريعة إبراهيم، ٧، بعده في زمان آخر و قوم آخرين، و شريعة موسى، ٧، في زمان آخر و قوم آخرين، و شريعة المسيح بعده في زمان آخر و قوم آخرين، و شريعة سيد الأنبياء محمد، عليه الصلاة و السلام و التحية و الرضوان، في زمان آخر و قوم آخرين، كما قال تعالى: «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ» فهؤلاء كلّهم دينهم