رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٥٢٥ - فصل
الماضية، ثم خلفتها أخرى على سننها و منهاجها. و هكذا دأبهم إلى يوم القيامة كما قال تعالى: «حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» يسألهم ملك الموت و أعوانه «قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَ شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ» و اخسئوا بالعذاب! و علموا أنهم كانوا ظالمين. فعند ذلك قالت أخراهم لأولاهم، يعني أتباعهم و تلامذتهم المتأخرين، لأولاهم يعني لرؤسائهم المتقدّمين:
«رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ.» و آيات كثيرة في حق هؤلاء، و خطاب بعضهم بعضا كيف يكون في جهنم، و هي طبقات النيران و دركاتهم.
ثم اعلم أن في آلام النفوس، لمعتقدي الآراء الفاسدة و عذاب قلوبهم، حكمة جليلة و خصالا عدّة، فمنها أن تكون تلك الآلام و العذاب كفّارة لذنوبهم، و تمحيصا لسيئاتهم، و أخرى أن تكون رياضة لنفوسهم، و ترقية لها من الحالات الأدون إلى الأتمّ و الأكمل، لأن الدنيا دار رياضة و بلوى و محنة و تجربة و اعتبار، و الأخرى أن يتبيّن لهم فضل اللّه و نعمته و رحمته و إحسانه، إذ نجاهم منها، و هداهم إلى صراط مستقيم، كما فرض على أهل الدين دين الإسلام في كل يوم و ليلة سبع عشرة مرة أن يقولوا: «اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» إلى آخره، و كما حكي عنهم قولهم لما اهتدوا: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ».
ثم انظر و تأمل كيف نسبوا هم الهداية إليه، و نسب هو الخير و الثواب و الجزاء إلى أعمالهم.