رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٥٢٤ - فصل
|
أ لم تر أنّي، مذ ثلاثين حجّة |
أروح و أغدو دائم الحسرات؟ |
|
ثم اعلم أن أمثال هذه الآراء الفاسدة، و المذاهب و الاعتقادات، كثيرة لا يحصي عددها إلّا اللّه، و إنما ذكرنا منها طرفا ليعلم أنها كلها مؤلمة لنفوس معتقديها، و هو جزاء لها و عقوبة لاشتغالهم بغير اللّه و تركهم لذكر اللّه، كما قال تعالى: «نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ». يعني تركوا ذكر اللّه و تركوا طاعته و اشتغلوا بذكر غيره، و طاعة من سواه، فتركهم معهم معذّبة قلوبهم، و مؤتلمة نفوسهم، كما ذكر اللّه تعالى: «وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ».
ثم اعلم أن هذه الآراء الفاسدة و الاعتقادات الرديئة في اللّه تعالى و صفاته و أحكامه و آدابه، نيران ملتهبة في نفوس معتقديها، و حرقات مشتعلة في قلوبهم، مؤلمة لها إلى وقت معلوم، و معذّبة لها إلى أجل معدود، كما قال:
«نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ».
ثم اعلم أنه لا يصل إلى معرفة اللّه تعالى أحد من الناس إلّا بعد جوازه على الآراء الفاسدة، إما في أيام صباه، أو بعد ذلك، ثم اللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم من نفي الشّرك، و ينجّيه منها كما وعد فقال: «وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها».
و اعلم أن أهل الآراء الفاسدة و الاعتقادات الرديئة طائفتان: إحداهما شياطين الإنس. فشياطين الإنس هم أهل الآراء الفاسدة الظاهرة التي ألفوها و أنسوا بها. و شياطين الجن هم أهل الآراء الفاسدة الباطنة التي أسرّوها و استجنّوا بها، و إخوانهم و أتباعهم و تلامذتهم و شيعتهم الذين يقتفون آراءهم، و يسلكون مناهجهم.
و اعلم أنه كلما مضت طائفة منها و انقرضت و بليت أجسادها، ألحقت نفوسها بنفوس من مضى قبلها من رؤسائها و معلميها و أستاذيهم من القرون