رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٨٨ - فصل في بيان علة الاختلافات التي بين أهل الديانات النبوية بعضها في الأصول، و بعضها في الفروع
واحد، و إن كانت شرائعهم مختلفة، و إنما ذكرنا في هذا الفصل من هذه الأشياء، لأن الذين أنكروا نسخ الشرائع من هذا الباب لم يعرفوا الفرق بين الدين و الشريعة.
و أما الاختلافات التي وقعت بين شريعة واحدة، بعضهم مع بعض، كالذي بين طوائف اليهود فيما بينهم، و بين طوائف النصارى، و كما بين طوائف المسلمين كذلك، فهي خمسة أنواع: منها اختلاف في ألفاظ التنزيل كالذي بين القرّاء، و منها اختلاف في المعاني كالذي بين المفسّرين، و منها اختلاف في أسرار الذين و حقائق معانيه الخفية كالذي بين المقلّدين و المستبصرين، و منها اختلاف في الأئمة الذين هم خلفاء الأنبياء كالذي بين الشيعة، و منها اختلاف في أحكام الشريعة و سنن الدين كالذي بين الفقهاء.
فعلّة اختلاف القراء هي من أجل الألفاظ المشتركة المعاني و المترادفة و المتباينة و المتواطئة و المشتقّة- كما بيّنّا معاني هذه الخمسة الأنواع في رسالة المنطق- و إنما يستعمل صاحب النواميس هذه الألفاظ في تنزيله و خطبه لأن كلامه على العموم للناس: الخاصّ و العامّ، و في المخاطبين: نساء و صبيان، و علماء و جهال، و عقلاء و أغبياء، ما بيّن ذلك إلّا لكي يعقل و يكمّل كلّ إنسان منهم معاني ألفاظه بحسب فهمه و ذكائه و صفاء جوهره.
فلا يخلو أحد منهم من فائدة إذا سمعوا قراءة التنزيل، و هذا هو من أجلّ المعجزات في كتب الأنبياء، و خاصّة القرآن منها، و من أجل هذا قال النبي، صلى اللّه عليه و على آله و سلم: «نزل القرآن على سبعة أحرف كلّها شاف كاف، كلّ آية لها ظاهر و باطن».
أما سبب اختلاف المفسّرين المقرئين في معاني ألفاظ التنزيل فهو من جهتين: إحداهما احتمال الألفاظ لتلك المعاني، و الأخرى من جهة مراتبهم في المعارف، و صفاء جوهر نفوسهم، و ذكاء أفهامهم، فيسنح لكل واحد شيء خلاف ما يسنح للآخر، إذا نظر في معاني كتب الأنبياء، :،