رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣١ - فصل
بيت اللّه الحرام، و توجّههم شطره بحسب مواضع بلدانهم و مراحلهم و مرافقهم من البيت شرقا و غربا و جنوبا و شمالا كما بيّنّا في رسالة جغرافيا.
فصل
ثم اعلم أن الموجودات كلّها نوعان: كلية و جزئية. فالموجودات الكلية الدائمة الوجود و البقاء، لأنها ابتدأت في الترتيب من أشرفها و أتمّها إلى أدونها و أنقصها كما بيّنّا في رسالة المبادي العقلية.
و الموجودات الجزئيات دائمة في الكون، متوجّهة نحو التمام، لأنها تبتدئ بالكون من أنقص الوجود متوجّهة إلى أتم الوجود، و من أدون الأحوال مترقية إلى أشرفها و أتمها.
ثم اعلم أن الإنسان هو من الأمور الجزئيّة، و هو مجموع من جوهرين، أحدهما هذا الجسد الجسماني، و الآخر هو النفس الروحانية. فأنقص حالات جسده ابتداؤه من النّطفة متوجّها إلى أن يصير رجلا جلدا. و أنقص حالات نفسه و أدونها أن تكون ساذجة لا تعلم شيئا كما قال اللّه تعالى: «وَ اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً». و أتمّ حالاتها أن تخرج كل ما في قوتها من الفضائل إلى الفعل، و هو أن يصير الإنسان مؤمنا حقّا عالما ربّانيّا حكيما فيلسوفا محقّقا كما قال تعالى: «وَ عُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَ لا آباؤُكُمْ» و قال: «عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» و قال: «كُونُوا رَبَّانِيِّينَ».
ثم اعلم أن كل عمل متقن فمن صانع حكيم في أوّلية العقل. و كل فاعل حكيم فله في فعله غرض ما. و الغرض هو غاية يسبق إليها و هم النفس.
و إذا بلغ الفاعل إلى الغاية قطع الفعل.
ثم اعلم أن دوران الأفلاك فعل متقن، ففاعله إذا حكيم، فله إذا في إدارة الأفلاك غرض ما. فإن كان قد بلغ إلى غرضه، فسبيله أن يقطع