رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٨٨ - الرسالة السابعة من النفسانيات العقليات في البعث و القيامة(و هي الرسالة الثامنة و الثلاثون من رسائل إخوان الصفاء)
و عن أهل التقليد الذين لا يعرفون حقيقة ما هم مقرّون به من أمر الآخرة و البعث و القيامة، و الحشر، و الحساب، و الميزان، و الصّراط، و المعاد، و الجزاء هناك: إن خيرا فخيرا، و إن شرّا فشرّا. لأن هذا العلم هو لبّ الألباب، و سرّ لأولياء اللّه دون سواهم؛ لأن أولياء اللّه هم المصطفون الأخيار الذين أخلصوا بخالصة ذكرى الدار. و نريد أن نلوّح من هذا العلم طرفا في هذه الرسالة الجليلة القدر، بإشارات مرموزة، و أمثال مضروبة للمريدين للّه، عزّ و جلّ، الطالبين دار الآخرة، إذ كان الإخبار عن حقيقتها يدقّ عن البيان، و يبعد عن التصوّر بالأفكار، و التخيّل بالأوهام، إلّا لأنفس زاكية، و أرواح طاهرة، و قلوب واعية، و آذان سامعة؛ و لكن، قبل ذلك، نحتاج أن نذكر النفس و الروح و حقيقتهما، و ماهيّتهما و تصاريف أمرهما؛ إذ كان معرفة حقيقة الآخرة و أمر المعاد بعد معرفة البعث و القيامة، بعد معرفة النفس و الروح، و علّة أخرى أيضا أن قوما من علماء الإسلام يتعاطون العلوم و الكلام و الجدل، و ينكرون أمر النفس و وجودها، و يجهلون حقيقة الروح و تصاريف أحوالها. من أجل هذا احتجنا إلى أن ندلّ أولا على وجود النفس، و ماهيّة جوهرها و تصاريف أمورها، بطريق السمع و الإخبار، و ما ذكر في الأخبار و الكتب النبوية المنزلة؛ ثم نذكر حججا عقلية حكمية، لأن قوما من هؤلاء المجادلة لا يرضون طريق السمع و الإخبار، و لا يقنعهم ذلك، لشكوك في نفوسهم، و ريبة في قلوبهم، بل يريدون دلائل عقليّة، و حججا فلسفية، فنقول:
اعلم يا أخي، أيدك اللّه و إيانا بروح منه، أن الحكماء و الفلاسفة قد أكثرت، في كتبها، و في مذكّراتها، ذكر النفوس، و حثّت تلاميذها و أولادها على طلب علم النفس و معرفة جوهرها، لأن في علم النفس و معرفة جواهرها، معرفة حقائق الأشياء الروحانية من أمر المبدإ و المعاد، و الباري تعالى عز و جل، و ملائكته، و خاصّة معرفة البعث و حقيقة القيامة و النّشر