رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٧٣ - الرسالة السادسة من النفسانيات العقليات في ماهية العشق(و هي الرسالة السابعة و الثلاثون من رسائل إخوان الصفاء)
أن تتبع أمزجة الأبدان في إظهار أفعالها و أخلاقها و معارفها، و بخاصّة ما كان أغلب منها في المزاج، و أقوى في أصل التركيب، كما بيّنّا في رسالة الأخلاق و رسالة مسقط النطفة: و ذلك أن كل إنسان يكون المستولي عليه، في أصل مولده، القمر أو الزّهرة و زحل، فإن الغالب على طبيعته قوة النفس الشهوانية نحو المأكولات و المشروبات و الجمع و الادّخار لها. و إن يكن المستولي المرّيخ و الزّهرة أو القمر، فإن الغالب على طبيعته شهوة الجماع و المناكح. و إن كان المستولي على أصل مولده الشمس و المرّيخ، فإن الغالب على طبيعته تكون شهوة النفس الغضبية نحو القهر و الغلبة وحب الرئاسة. و إن كان المستولي عليه، في أصل مولده، الشمس و عطارد و المشتري، فإن الغالب على طبيعته تكون شهوات النفس الناطقة نحو المعارف و اكتساب الفضائل و العدل.
و قد بيّنّا في رسالة مسقط النّطفة كيف يتقرّر في جبلة الجنين و طبع المولود تأثيرات هذه الكواكب. و بيّنّا في رسالة الأخلاق كيف يعتاد الإنسان باكتساب تلك الطباع، و الأخلاق التي في الطباع، قبولها و تهيّؤها، أو ضدّ ذلك. و إذ قد فرغنا من ذكر ما احتجنا إلى أن نذكره، فنرجع الآن إلى تفسير قول من قال من الحكماء: إن العشق هو شدة الشوق إلى الاتحاد، فنقول: إن الاتحاد هو من خاصّيّة الأمور الروحانية، و الأحوال النفسانية، لأن الأمور الجسمانية لا يمكن فيها الاتحاد، بل المجاورة، و الممازجة، و المماسة لا غير. فأما الاتحاد فهو في الأمور النفسانية، كما سنبيّن في هذه الفصول.
و اعلم يا أخي أن مبدأ العشق و أوله نظرة أو التفات نحو شخص من الأشخاص، فيكون مثلها كمثل حبة زرعت، أو غصن غرس، أو نطفة سقطت في رحم بشر. و تكون باقي النظرات و اللحظات بمنزلة مادة تنصبّ إلى هناك، و تنشأ و تنمي على ممرّ الأيام، إلى أن تصير شجرة أو