رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٧٢ - الرسالة السادسة من النفسانيات العقليات في ماهية العشق(و هي الرسالة السابعة و الثلاثون من رسائل إخوان الصفاء)
و من الحكماء من قال إن العشق هو هوى غالب في النفس نحو طبع مشاكل في الجسد، أو نحو صورة مماثلة في الجنس. و منهم من قال إن العشق هو شدة الشوق إلى الاتحاد، و لهذا فأيّ حال يكون عليها العاشق يتمنى حالا أخرى أقرب منها، و لهذا قال الشاعر[١]:
|
أعانقها، و النفس بعد مشوقة |
إليها، و هل بعد العناق تداني؟ |
|
|
و ألثم فاها كي تزول صبابتي، |
فيزداد ما ألقى من الهيمان |
|
|
كأنّ فؤادي ليس يشفي غليله، |
سوى أن يرى الرّوحين يمتزجان |
|
و هذا القول أرجح ما قيل فيه، و ألطف ما أشير إليه. و نحتاج أن نشرح هذا الباب لتتّضح حقيقته، و تعرف أسبابه، و لكن لما كان الاتحاد هوى نفسانيّا، و تأثيرا روحانيّا، احتجنا إلى أن نذكر أنواع النفوس، و أنواع معشوقاتها، و علل تلك و أسبابها. و أما الفرق بين العلل و الأسباب، فهو أن العلل كائنة في طباع النفوس، و الأسباب خارجة منها، كما سنبين بعد هذا الفصل.
و اعلم يا أخي أن النفوس المتجسدة لما كانت ثلاثة أنواع، كما قالت الحكماء و الفلاسفة، صارت معشوقاتها أيضا ثلاثة أنواع: فمنها النفس النباتية الشهوانية، و عشقها يكون نحو المأكولات و المشروبات و المناكح. و منها النفس الغضبية الحيوانية، و عشقها يكون نحو القهر و الغلبة و حبّ الرئاسة.
و منها النفس الناطقة، و عشقها يكون نحو المعارف و اكتساب الفضائل.
و اعلم يا أخي، أيدك اللّه و إيانا بروح منه، أنه ليس أحد من الناس يخلو من نوع من هذه الأنواع الثلاثة التي ذكرناها، أو يكون آخذا بنصيب من كل واحد منها قلّ أو كثر. و العلّة في ذلك أنه لما كان من شأن النفوس
[١] -الشاعر: ابن الرومى.