كتاب الخمس - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ١٣٣ - المطلب الأول في كون الكفار مكلفين بالفروع
هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ[١]، فإنّ صريح الآيتين: كون العقاب على خصوص الاكتناز المحرّم للذهب والفضّة، الشامل لترك الزكاة قطعاً، ومورد الآية: خصوص الأحبار والرهبان، فلا يحتمل خروج المورد عن مدلولها بدعوى اختصاص الآية بخصوص من يكتنز الذهب والفضّة من المسلمين!
ثانياً: قوله تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَ الزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَ حُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ[٢] يدلّ على اختصاص الحرمة بالمؤمنين، لأنّ المراد" النكاح" هنا: ليس" العقد"، بل المراد به: ذات" العمل الجنسيّ"، والآية واضحة الدلالة على أنّ عمل الزاني والزانية محرّم على المؤمنين خاصّة.
والجواب على ذلك: أنّ هذا النوع من الاستدلال غريب وعقيم، فإنّ اللقب لا مفهوم له وإثبات الشيء لا ينفي ما عداه! فلو اختصّت الحرمة- أي شخص الحكم- هنا بالمؤمنين، فإنّ ذلك لا يمنع عن دلالة العمومات الأخرى على حرمتها على المكلّفين عامّة؛ كقوله تعالى: وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِيلًا[٣]، أو قوله تعالى: وَ لا يَزْنُونَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً[٤].
مع أنّ من المحتمل- بل لعلّه الظاهر-: أنّ المراد من الحرمة هنا: الحرمة التكوينية لا التشريعيّة؛ فإنّ هذا المعنى هو المناسب لصدر الآية، فيكون معنى الآية: أنّ هذا العمل لشناعته لا يرتكبه إلا الزناة والمشركون، أمّا المؤمنون فهم منزّهون عن ذلك لا يقتربون منه. فتكون الآية مطابقة في مضمونها الآيات الآخرى التي وردت في وصف المؤمنين وأنّ من أوصافهم التنزّه عن مثل هذه القبائح؛ كقوله تعالى في الآية السابقة من سورة الفرقان: وَ الَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَ لا
[١] . سورة التوبة: ٢٤- ٢٥.
[٢] . سورة النور: ٣.
[٣] . سورة الإسراء: ٣٢.
[٤] . سورة الفرقان: ٦٨- ٦٩.