إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٥ - السادس أن يغتم لأجل السارق و عصيانه و تعرضه لعذاب اللّه تعالى،
و الثاني:أن الدواء يسهل،و السكنجبين يسكن الصفراء بشروط أخر في الباطن، و أسباب في المزاج ربما يتعذر الوقوف على جميع شروطها،و ربما بفوت بعض الشروط، فيتقاعد الدواء عن الإسهال.و أما زوال العطش فلا يستدعى سوى الماء شروطا كثيرة و قد يتفق من العوارض ما يوجب دوام العطش مع كثرة شرب الماء،و لكنه نادر و اختلال الأسباب أبدا ينحصر في هذين الشيئين.و إلا فالمسبب يتلو السبب لا محالة مهما تمت شروط السبب.و كل ذلك بتدبير مسبب الأسباب و تسخيره و ترتيبه،بحكم حكمته و كمال قدرته.فلا يضر المتوكل استعماله مع النظر إلى مسبب الأسباب دون الطبيب و الدواء؛فقد روي عن موسى صلى اللّه عليه و سلم أنه قال:يا رب ممن الداء و الدواء؟فقال تعالى منى.قال فما يصنع الأطباء؟قال يأكلون أرزاقهم و يطيبون نفوس عبادي حتى يأتي شفائى أو قضائي. فإذا معنى التوكل مع التداوي التوكل بالعلم و الحال كما سبق في فنون الأعمال الدافعة للضرر،الجالبة للنفع.فأما ترك التداوي رأسا فليس شرطا فيه فإن قلت:فالكي أيضا من الأسباب الظاهرة النفع.فأقول ليس كذلك.
إذ الأسباب الظاهرة مثل الفصد،و الحجامة،و شرب المسهل،و سقي المبردات للمحرور.
و أما الكي فلو كان مثلها في الظهور لما خلت البلاد الكثيرة عنه.و قلما يعتاد الكلي في أكثر البلاد.و إنما ذلك عادة بعض الأتراك و الأعراب.فهذا من الأسباب الموهومة كالرقي،إلا أنه يتميز عنها بأمر و هو أنه احتراق بالنار في الحال مع الاستغناء عنه،فإنه ما من وجع يعالج بالكي إلا و له دواء يغنى عنه ليس فيه إحراق.فالإحراق بالنار جرح مخرب للبنية.محذور السراية مع الاستغناء عنه،بخلاف الفصد و الحجامة فإن سرايتهما بعيدة،و لا يسد مسدهما غيرهما و لذلك[١]نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن الكي دون الرقي،و كل واحد منهما بعيد عن التوكل.و روي أن عمران بن الحصين اعتل، فأشاروا عليه بالكي، فامتنع.فلم يزالوا به،و عزم عليه الأمر حتى اكتوى.فكان يقول.كنت أرى نورا،