إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٧ - بيان
فقال أي خسارة أعظم من خسران لقائي! و الغرض أن هذه النيات متفاوتة الدرجات،و من غلب على قلبه واحدة منها ربما لا يتيسر له العدول إلى غيرها. و معرفة هذه الحقائق تورث أعمالا و أفعالا لا يستنكرها الظاهريون من الفقهاء،فإنا نقول:من حضرت له نية في مباح،و لم تحضر في فضيلة،فالمباح أولى،و انتقلت الفضيلة إليه،و صارت الفضيلة في حقه نقيصة،لأن الأعمال بالنيات،و ذلك مثل العفو،فإنه أفضل من الانتصار في الظلم،و ربما تحضره نية في الانتصار دون العفو، فيكون ذلك أفضل و مثل أن يكون له نية في الأكل،و الشرب،و النوم،ليريح نفسه، و يتقوّى على العبادات في المستقبل،و ليس تنبعث نيته في الحالين للصوم،و الصلاة،فالأكل، و النوم هو الأفضل له بل لو ملّ العبادة لمواظبته عليها،و سكن نشاطه،و ضعفت رغبته،و علم أنه لو ترفه ساعة بلهو و حديث عاد نشاطه،فاللهو أفضل له من الصلاة.قال أبو الدرداء:إنى لأستجم نفسي بشيء من اللهو،فيكون ذلك عونا لي على الحق.و قال علي كرم اللّٰه وجهه.
روحوا القلوب فإنها إذا أكرهت عميت. و هذه دقائق لا يدركها إلا سماسرة العلماء دون الحشوية منهم .بل الحاذق بالطب قد يعالج المحرور باللحم مع حرارته،و يستبعده القاصر في الطب،و إنما يبتغى به أن يعيد أو لا قوته ليحتمل المعالجة بالضد.و الحاذق في لعب الشطرنج مثلا قد ينزل عن الرخ و الفرس مجانا،ليتوصل بذلك إلى الغلبة.و الضعيف البصيرة قد يضحك به،و يتعجب منه،و كذلك الخبير بالقتال قد يفر بين يدي قرينه،و يوليه دبره، حيلة منه ليستجره إلى مضيق،فيكر عليه فيقهره فكذلك سلوك طريق اللّٰه تعالى،كله قتال مع الشيطان،و معالجة للقلب، و بالبصير الموفق يقف فيها على لطائف من الحيل يستبعدها الضعفاء،فلا ينبغي للمريد أن يضمر إنكارا على ما يراه من شيخه،و لا للمتعلم أن يعترض على أستاذه،بل ينبغي أن يقف عند حد بصيرته ،و ما لا يفهمه من أحوالهما يسلمه.لهما إلى أن ينكشف له أسرار ذلك بأن يبلغ رتبتهما،و ينال درجتهما،و من اللّٰه حسن التوفيق