إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٤ - بيان
و حديث لسان و فكر،أو انتقال من خاطر إلى خاطر،و النية بمعزل من جميع ذلك.و إنما النية انبعاث النفس و توجهها و ميلها إلى ما ظهرها أن فيه غرضها.إما عاجلا،و إما آجلا.
و الميل إذا لم يكن لا يمكن اختراعه و اكتسابه بمجرد الإرادة.بل ذلك كقول الشبعان:
نويت أن أشتهى الطعام و أميل إليه.أو قول الفارغ :نويت أن أعشق فلانا و أحبه و أعظمه بقلبي.فذلك محال.بل لا طريق إلى اكتساب صرف القلب إلى الشيء،و ميله إليه،و توجهه نحوه،إلا باكتساب أسبابه.و ذلك مما قد يقدر عليه،و قد لا يقدر عليه.
و إنما تنبعث النفس إلى الفعل إجابة للغرض الباعث الموافق للنفس،الملائم لها.و ما لم يعتقد الإنسان أن غرضه منوط بفعل من الأفعال فلا يتوجه نحوه قصده.و ذلك مما لا يقدر على اعتقاده في كل حين و إذا اعتقد فإنما يتوجه القلب إذا كان فارغا غير مصروف عنه بغرض شاغل أقوى منه.و ذلك لا يمكن في كل وقت.و الدواعي و الصوارف لها أسباب كثيرة بها تجتمع، و يختلف ذلك بالأشخاص،و بالأحوال،و بالأعمال.فإذا غلبت شهوة النكاح مثلا، و لم يعتقد غرضا صحيحا في الولد دينا و لا دنيا،لا يمكنه أن يواقع على نية الولد،بل لا يمكن إلا على نية قضاء الشهوة إذ النية هي إجابة الباعث.و لا باعث إلا الشهوة،فكيف ينوي الولد!و إذا لم يغلب على قلبه[١]أن إقامة سنة النكاح اتباعا لرسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم يعظم فضلها،لا يمكن أن ينوي بالنكاح اتباع السنة،إلا أن يقول ذلك بلسانه و قلبه و هو حديث محض ليس بنية.
نعم طريق اكتساب هذه النية مثلا أن يقوى أولا إيمانه بالشرع،و يقوى إيمانه بعظم ثواب من سعى في تكثير أمة محمد صلى اللّٰه عليه و سلم،و يدفع عن نفسه جميع المنفردات عن الولد من ثقل المؤنة،و طول التعب،و غيره، فإذا فعل ذلك ربما انبعث من قلبه رغبة إلى تحصيل الولد للثواب،فتحركه تلك الرغبة،و تتحرك أعضاؤه لمباشرة العقد.فإذا انتهضت القدرة المحركة للسان بقبول العقد طاعة لهذا الباعث الغالب على القلب،كان ناويا.فإن لم يكن كذلك،فما يقدره في نفسه،و يردده في قلبه من قصد الولد،وسواس و هذيان و لهذا امتنع جماعة من السلف من جملة من الطاعات،إذ لم تحضرهم النية،و كانوا يقولون.
ليس تحضرنا فيه نية ،حتى أن ابن سيرين لم يصل على جنازة الحسن البصري و قال:ليس تحضرني نية .و نادى بعضهم امرأته،و كان يسرح شعره،أن هات المدري.فقالت:أجيء