إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٠ - بيان
امرأة فتح الموصلي عثرت فانقطع ظفرها،فضحكت.فقيل لها:أما تجدين الوجع؟فقالت إن لذة ثوابه أزالت عن قلبي مرارة وجعه. و كان سهل رحمه اللّٰه تعالى به علة يعالج غيره منها و لا يعالج نفسه.فقيل له في ذلك،فقال:يا دوست ضرب الحبيب لا يوجع و أما الوجه الثاني:فهو أن يحس به،و يدرك ألمه،و لكن يكون راضيا به،بل راغبا فيه،مريدا له،أعنى بعقله،و إن كان كارها بطبعه.كالذي يلتمس من الفصاد الفصد و الحجامة فإنه يدرك ألم ذلك،إلا أنه راض به،و راغب فيه،و متقلد من الفصاد به منة بفعله.فهذا حال الراضي بما يجرى عليه من الألم.و كذلك كل من يسافر في طلب الربح يدرك مشقة السفر،و لكن حبه لثمره سفره طيب عنده مشقة السفر،و جعله راضيا بها. و مهما أصابه بلية من اللّٰه تعالى،و كان له يقين بأن ثوابه الذي ادخر له فوق ما فاته.رضي به،و رغب فيه،و أحبه،و شكر اللّٰه عليه.هذا إن كان يلاحظ الثواب و الإحسان الذي يجازى به عليه و يجوز أن يغلب الحب،بحيث يكون حظ المحب في مراد محبوبه و رضاه،لا لمعنى آخر وراءه.فيكون مراد حبيبه و رضاه محبوبا عنده و مطلوبا.و كل ذلك موجود في المشاهدات في حب الخلق،و قد تواصفها المتواصفون في نظمهم و نثرهم،و لا معنى له إلا ملاحظة جمال الصورة الظاهرة بالبصر.فإن نظر إلى الجمال فما هو إلا جلد و لحم و دم،مشحون بالأقذار و الأخباث،بدايته من نطفة مذرة،و نهايته جيفة قذرة،و هو فيما بين ذلك يحمل العذرة و إن نظر إلى المدرك للجمال،فهي العين الخسيسة التي تغلط فيما ترى كثيرا،فترى الصغير كبيرا،و الكبير صغيرا،و البعيد قريبا،و القبيح جميلا، فإذا تصور استيلاء هذا الحب فمن أين يستحيل ذلك في حب الجمال الأزلي الأبدي،الذي لا منتهى لكماله المدرك بعين البصيرة التي لا يعتريها الغلط و لا يدور بها الموت،بل تبقى بعد الموت حية عند اللّٰه،فرحة برزق اللّٰه تعالى،مستفيدة بالموت مزيد تنبيه و استكشاف! فهذا أمر واضح من حيث النظر بعين الاعتبار.و يشهد لذلك الوجود و حكايات أحوال المحبين و أقوالهم.فقد قال شقيق البلخي:من يرى ثواب الشدة لا يشتهي المخرج منها و قال الجنيد:سألت سريا السقطي،هل يجد المحب ألم البلاء؟قال لا.قلت و إن ضرب بالسيف؟قال نعم و إن ضرب بالسيف سبعين ضربة،ضربة على ضربة