إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٧ - بيان
و في الأخبار السالفة أن نبيا من الأنبياء شكا إلى اللّٰه عز و جل الجوع،و الفقر،و القمل، عشر سنين،فما أجيب إلى ما أراد.ثم أوحى اللّٰه تعالى إليه:كم تشكو؟هكذا كان بدؤك عندي في أم الكتاب قبل أن أخلق السموات و الأرض،و هكذا سبق لك منى،و هكذا قضيت عليك قبل أن أخلق الدنيا.أ فتريد أن أعيد خلق الدنيا من أجلك.أم تريد أن أبدل ما قدرته عليك فيكون ما تحب فوق ما أحب،و يكون ما تريد فوق ما أريد؟و عزتي و جلالي لئن تلجلج هذا في صدرك مرة أخرى لأمحونك من ديوان النبوة.
و روي أن آدم عليه السلام كان بعض أولاده الصغار يصعدون على بدنه و ينزلون،يجعل أحدهم رجله على أضلاعه كهيئة الدرج،فيصعد إلى رأسه،ثم ينزل على أضلاعه كذلك، و هو مطرق إلى الأرض لا ينطق و لا يرفع رأسه.فقال له بعض ولده.يا أبت أما ترى ما يصنع هذا بك؟لو نهيته عن هذا؟فقال يا نبي،إنى رأيت ما لم تروا،و علمت ما لم تعلموا،إنى تحركت حركة واحدة فأهبطت من دار الكرامة إلى دار الهوان،و من دار النعيم إلى دار الشقاء، فأخاف أن أتحرك أخرى فيصيبني ما لا أعلم و قال[١]أنس بن مالك رضي اللّٰه عنه خدمت رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم عشر سنين، فما قال لي لشيء فعلته لم فعلته،و لا لشيء لم أفعله لم لا فعلته،و لا قال في شيء كان ليته لم يكن،و لا في شيء لم يكن ليته كان.و كان إذا خاصمنى مخاصم من أهله يقول«دعوه لو قضي شيء لكان» و يروى أن اللّٰه تعالى أوحى إلى داود عليه السلام.يا داود إنك تريد و أريد و إنما يكون ما أريد، فإن سلمت لما أريد كفيتك ما تريد.و إن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد،ثم لا يكون إلا ما أريد أما الآثار،فقد قال ابن عباس رضي اللّٰه عنهما.أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون اللّٰه تعالى على كل حال.و قال عمر بن عبد العزيز.ما بقي لي سرور إلا في مواقع القدر.و قيل له ما تشتهي؟فقال ما يقتضي اللّٰه تعالى. و قال ميمون بن مهران.من لم يرض بالقضاء فليس لحمقه دواء.و قال الفضيل.إن لم تصبر على تقدير اللّٰه لم تصبر على تقدير نفسك و قال عبد العزيز بن أبي رواد.ليس الشأن في أكل خبز الشعير و الخل،و لا في لبس الصوف و الشعر،و لكن الشأن في الرضا عن اللّٰه عز و جل