إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٠ - بيان
يوم يا رب إن أعطيت أحدا من المحبين لك ما يسكن به قلبه قبل لقائك فأعطنى ذلك،فقد أضر بي القلق.قال فرأيت في النوم أنه أوقفنى بين يديه و قال:يا إبراهيم،أما استحييت منى أن تسألني أن أعطيك ما يسكن به قلبك قبل لقائي!و هل يسكن المشتاق قبل لقاء حبيبه!فقلت يا رب تهت في حبك فلم أدر ما أقول فاغفر لي و علمني ما أقول فقال.قل اللهم رضني بقضائك.و صبرنى على بلائك،و أوزعنى شكر نعمائك، فإن هذا الشوق يسكن في الآخرة و أما الشوق الثاني:فيشبه أن لا يكون له نهاية لا في الدنيا و لا في الآخرة،إذ نهايته أن ينكشف للعبد في الآخرة من جلال اللّٰه تعالى،و صفاته،و حكمته،و أفعاله،ما هو معلوم للّٰه تعالى،و هو محال،لأن ذلك لا نهاية له،و لا يزال العبد عالما بأنه بقي من الجمال و الجلال ما لم يتضح له،فلا يسكن قط شوقه،لا سيما من يرى فوق درجته درجات كثيرة،إلا أنه تشوق إلى استكمال الوصال مع حصول أصل الوصال،فهو يجد لذلك شوقا لذيذا لا يظهر فيه ألم.و لا يبعد أن تكون ألطاف الكشف و النظر متوالية إلى غير نهاية،فلا يزال النعيم و اللذة متزايدا أبد الآباد،و تكون لذة ما يتجدد من لطائف النعيم شاغلة عن الإحساس بالشوق إلى ما لم يحصل،و هذا بشرط أن يمكن حصول الكشف فيما لم يحصل فيه كشف في الدنيا أصلا.فإن كان ذلك غير مبذول فيكون النعيم واقفا على حد لا يتضاعف،و لكن يكون مستمرا على الدوام:و قوله سبحانه و تعالى (نُورُهُمْ يَسْعىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمٰانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنٰا أَتْمِمْ لَنٰا نُورَنٰا [١]) محتمل لهذا المعنى،و هو أن ينعم عليه بإتمام النور مهما تزود من الدنيا أصل النور. و يحتمل أن يكون المراد به إتمام النور في غير ما استنار في الدنيا استنارة محتاجة إلى مزيد الاستكمال و الإشراق،فيكون هو المراد بتمامه.و قوله تعالى (انْظُرُونٰا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرٰاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً [٢]) يدل على أن الأنوار لا بد و أن يتزود أصلها في الدنيا،ثم يزداد في الآخرة إشراقا.فأما أن يتجدد نور فلا.و الحكم في هذا برجم الظنون مخطر،و لم ينكشف لنا فيه بعد ما يوثق به،فنسأل اللّٰه تعالى أن يزيدنا علما و رشدا،و يرينا الحق حقا،فهذا القدر من أنوار البصائر كاشف لحقائق الشوق و معانيه و أما شواهد الأخبار و الآثار فأكثر من أن تحصى.فما اشتهر من دعاء رسول اللّٰه
[١] التحريم:٨
[٢] الحديد:١٣