إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٣ - بيان
وقر في صدره،فضل لا محالة بتجل انفرد به. و كما أنك ترى في الدنيا من يؤثر لذة الرئاسة على المطعوم و المنكوح.و ترى من يؤثر لذة العلم و انكشاف مشكلات ملكوت السموات و الأرض و سائر الأمور الإلهية على الرئاسة،و على المنكوح،و المطعوم،و المشروب جميعا،فكذلك يكون في الآخرة قوم يؤثرون لذة النظر إلى وجه اللّه تعالى على نعيم الجنة،إذ يرجع نعيمها إلى المطعوم و المنكوح،و هؤلاء بعينهم هم الذين حالهم في الدنيا ما وصفنا من إيثار لذة العلم و المعرفة و الإطلاق على أسرار الربوبية على لذة المنكوح،و المطعوم،و المشروب، و سائر الخلق مشغولون به.و لذلك لما قيل لرابعة:ما تقولين في الجنة؟فقالت الجار ثم الدار فبينت أنه ليس في قلبها التفات إلى الجنة،بل إلى رب الجنة و كل من لا يعرف اللّه في الدنيا فلا يراه في الآخرة.و كل من لم يجد لذة المعرفة في الدنيا فلا يجد لذة النظر في الآخرة،إذ ليس يستأنف لأحد في الآخرة ما لم يصحبه من الدنيا،و لا يحصد أحد إلا ما زرع،و لا يحشر المرء إلا على ما مات عليه، و لا يموت إلا على ما عاش عليه.فما صحبه من المعرفة هو الذي يتنعم به بعينه فقط،إلا أنه ينقلب مشاهدة بكشف الغطاء،فتتضاعف اللذة به كما تتضاعف لذة العاشق إذا استبدل بخيال صورة المعشوق رؤية صورته،فإن ذلك منتهى لذته.و إنما طيبة الجنة أن لكل أحد فيها ما يشتهي،فمن لا يشتهي إلا لقاء اللّه تعالى فلا لذة له في غيره،بل ربما يتأذى به فإذا نعيم الجنة بقدر حب اللّه تعالى،و حب اللّه تعالى بقدر معرفته،فأصل السعادات هي المعرفة التي عبر الشرع عنها بالإيمان فإن قلت:فلذة الرؤية إن كان لها نسبة إلى لذة المعرفة فهي قليلة و إن كان أضعافها،لأن لذة المعرفة في الدنيا ضعيفة،فتضاعفها إلى حد قريب لا ينتهى في القوة إلى أن يستحقر سائر لذات الجنة فيها فاعلم أن هذا الاستحقار للذة المعرفة صدر من الخلو عن المعرفة.فمن خلا عن المعرفة كيف يدرك لذتها،و إن انطوى على معرفة ضعيفة و قلبه مشحون بعلائق الدنيا فكيف يدرك لذتها،فللعارفين في معرفتهم و فكرتهم و مناجاتهم للّٰه تعالى لذات لو عرضت عليهم الجنة في الدنيا بدلا عنها لم يستبدلوا بها لذة الجنة.ثم هذه اللذة مع كمالها لا نسبة لها أصلا