إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦١ - و أما السبب الخامس للحب فهو المناسبة و المشاكلة،
و هذا السبب أيضا يقتضي حب اللّه تعالى لمناسبة باطنة لا ترجع إلى المشابهة في الصور و الأشكال.بل إلى معان باطنة يجوز أن يذكر بعضها في الكتب،و بعضها لا يجوز أن يسطر.بل يترك تحت غطاء الغبرة حتى يعثر عليه السالكون للطريق إذا استكملوا شرط السلوك.فالذي يذكر هو قرب العبد من ربه عز و جل في الصفات التي أمر فيها الاقتداء و التخلق بأخلاق الربوبية،حتى قيل تخلفوا بأخلاق اللّه،و ذلك في اكتساب محامد الصفات التي هي من صفات الإلهية،من العلم،و البر،و الإحسان،و اللطف،و إفاضة الخير،و الرحمة على الخلق،و النصيحة لهم،و إرشادهم إلى الحق،و منعهم من الباطل،إلى غير ذلك من مكارم الشريعة فكل ذلك يقرب إلى اللّه سبحانه و تعالى،لا بمعنى طلب القرب بالمكان،بل الصفات و أما ما لا يجوز أن يسطر في الكتب من المناسبة الخاصة التي اختص بها الآدمي، فهي التي يومئ إليها قوله تعال (وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [١]) إذ بيّن أنه أمر رباني خارج عن حد عقول الخلق. و أوضح من ذلك قوله تعالى (فَإِذٰا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [٢]) و لذلك أسجد له ملائكته:و يشير إليه قوله تعالى (إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ [٣]) إذ لم يستحق آدم خلافة اللّه تعالى إلا بتلك المناسبة.
و إليه يرمز قوله صلى اللّه عليه و سلم[١]«إن اللّه خلق آدم على صورته»حتى ظن القاصرون أن لا صورة إلا الصورة الظاهرة المدركة بالحواس،فشبهوا و جسموا و صوروا تعالى اللّه رب العالمين عما يقول الجاهلون علوا كبيرا.و إليه الإشارة[٢]بقوله تعالى لموسى عليه السلام:مرضت فلم تعدني فقال يا رب و كيف ذلك؟قال مرض عبدي فلان فلم تعده و لو عدته وجدتني عنده:و هذه المناسبة لا تظهر إلا بالمواظبة على النوافل بعد إحكام الفرائض كما قال اللّه تعالى[٣](لاَ يَزَال يَتَقَرَّبُ الْعَبْدُ إِلَىَّ بِالنَّوافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَ بَصَرَهُ الَّذِي يَبْصِرُ بِهِ وَ لِسَانَهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ) و هذا موضع يحب قبض عنان القلم فيه، فقد تحزب الناس فيه إلى قاصرين مالوا إلى
[١] الاسراء:٨٥
[٢] الحجر:٣٠
[٣] ص:٢٦